من حلقات الفقه بمساجد مراكش إلى دواوين السلاطين ومحاكم القضاء، عاش عباس بن إبراهيم التعارجي تحولات المغرب بين السلطنة والحماية والاستقلال. غير أن إرثه الأبرز ظل موسوعته التاريخية التي حفظت أخبار مراكش ورجالاتها، وجعلت منه أحد أبرز مؤرخي المدينة.
لم تكن التحولات السياسية التي شهدها المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين مجرد انتقال من سلطة إلى أخرى، فقد غيرت أيضا مصائر رجال ارتبطت حياتهم بالمخزن ومؤسساته. وبين الصراع على العرش في السنوات الأخيرة من عهد مولاي عبد العزيز، وفرض الحماية الفرنسية، ثم الاستقلال، وجد كثير من الفقهاء والقضاة والأعيان أنفسهم أمام أوضاع جديدة، أعادت رسم مواقعهم وعلاقاتهم بالسلطة. وكان بعض هؤلاء فاعلا في أحداث عصره، فيما انتهى آخرون إلى دفع ثمن مواقف أو ارتباطات تعود إلى عهود سابقة. كان عباس بن إبراهيم التعارجي من الفقهاء الذين عايشوا هذه التحولات عن قرب .فقد بدأ حياته العملية فقيها ومدرسا في مساجد مراكش، ثم انتقل إلى دواوين السلطان ومناصب القضاء، وعاصر، من مواقع مختلفة، أحداثا غيرت تاريخ المغرب. لكنه، إلى جانب انشغاله بشؤون الحكم والقضاء، كرس عقودا لجمع أخبار مراكش ورجالها، وترك موسوعة تاريخية ضخمة ظلت أجزاء منها مخطوطة بعد وفاته .فكيف استطاع ابن أحد حرفيي المدينة أن يبلغ مجالس السلطان؟ وما طبيعة علاقته بالسلطة في عهدي السلطنة والحماية؟ وكيف انتهى مساره بعد الاستقلال، وقد أمضى عقودا بين الوظائف المخزنية والقضاء والتأليف؟
لم يستمد عباس بن إبراهيم شهرته من نسبه السملالي، وإنما من لقب ارتبط بحرفة والده في أحد أسواق مراكش .فقد كان محمد بن إبراهيم يملك دكانا بسوق الكماخين، يشتغل فيه بتجليد التعارج، وهي طبول صغيرة تستعمل في المناسبات والاحتفالات الشعبية .ومن هذه الحرفة، جاءت تسمية “التعارجي“ التي غلبت على اسم الأسرة، ولازمت عباس في حياته ومؤلفاته. ويذكر خير الدين الزركلي في “الأعلام“ أن بعض خصومه كانوا يستعملون اللقب للاستخفاف به، وأنه كان يضيق بذلك، غير أن أحمد متفكر يورد في كتابه “القاضي عباس بن إبراهيم التعارجي المراكشي: حياته وشعره“ رواية مخالفة، تفيد بأنه لم يكن يجد حرجا في حمله.
محمد عبد الوهاب رفيقي
المقال الكامل من العدد 157 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































