ربما تُعدّ معركة تونديبي الأكثر رمزية في تاريخ المغرب خارج مجاله التقليدي. فقد انتهت حملة السعديين، العابرة للصحراء، بمواجهة مع إمبراطورية سونغاي العظمى، التي عرفت منذ تلك اللحظة، أفولها النهائي.
«وقد دبّ الرعب في صفوف محاربي سونغاي بسبب أسلحة المغاربة، ففرّوا تاركين ساحة المعركة»، هكذا تروي العديد من المصادر السعدية، بل وحتى بعض الكتابات الاستشراقية، هذه الواقعة التاريخية. غير أن تفوق الجيش المغربي الزاحف على مستوى التسلح، وإن كان لا يثير أي شك، جعل المواجهة تكون أشد ضراوة مما تصفه تلك الروايات .فمحاربو “بلاد السودان“ كانوا يعرفون استعمال البارود، ويمتلكون بدورهم بنادق، ولم يكونوا في الحقيقة يشكون أي نقص سوى أمام المدفعية المغربية التي كانت تتوفر على مدافع حربية.
يُعدّ اختلال ميزان القوى الحربي أحد أكثر الأحكام المسبقة التي تنعت بها هذه المرحلة التاريخية، والتي تمكن خلالها المغرب من فرض سلطته على جزء من أراضي مالي الحالية، خاصة بمنطقة تمبكتو، مستفيدا من انتصاره العسكري في معركة تونديبي في مارس سنة .1591 وكانت تلك الحملة من أكثر المشاريع جرأة في تاريخ المملكة، إذ جاءت استجابة لتحول عميق في موازين القوى بالمنطقة. في منتصف القرن السادس عشر، أتاح صعود الدولة السعدية للمغرب استقرارا سياسيا افتقده لعقود طويلة. وبفضل انتعاش اقتصادي ملحوظ، بدأ النفوذ الشريفي في التوسع، غير أنه اصطدم بالهيمنة العثمانية شرقا، وبالتنافس مع القوى الإيبيرية التي كانت تحتل عددا من المراسي المغربية. ومع ذلك، كان السلطان أحمد المنصور الذهبي ،(1603-1578) المنتشي بانتصاره الشهير على الجيش البرتغالي في معركة وادي المخازن (غشت ،(1578 يسعى إلى استثمار صعود قوته المتنامية، فوجه أنظاره نحو الجنوب.
وعلى بعد ثلاثة آلاف كيلومتر جنوب مدينة فاس، كانت مدينة غاو، الواقعة على ضفاف نهر النيجر، إحدى أبرز الحواضر التابعة لإمبراطورية سونغاي. ذلك الكيان السياسي، الذي وحّد عددا من القبائل منذ القرن السابع الميلادي، ثم خضع لاحقا لسلطة أسرة الأسكيا التي استكملت أسلمة المنطقة مطلع القرن السادس عشر.
يونس مسعودي
المقال الكامل من العدد 152 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































