شكّل الحج إلى بيت الله الحرام أحد أهم مظاهر التدين في مغرب العصر الوسيط. غير أنّ بُعد المغرب عن الحجاز حيث يوجد ذلك البيت، والعوائق الطبيعية والأمنية في المسالك والطرق الموصلة إلى مكان إقامة الحج، جعل الرحلة إليه محفوفة بالمخاطر والتحديات، مما فرض على الحجاج ابتكار أشكال متباينة لتنظيم رحلتهم، فظهر نموذجان أساسيان لتيسير تلك الرحلة؛ أولهما القافلة، التي مثلت شكلًا أوليا للتنظيم الأهلي العفوي بنفس تضامني، والثاني الركب، بدءا بالركب الصالحي وصولا إلى الركب السلطاني الذي يعكس تدخل السلطان في تنظيم الحج.
دأب عدد من المغاربة، منذ أن تشربوا تعاليم الإسلام، على الالتزام بالركن الخامس من أركان الإسلام المتمثل في الحج. كان هذا الأمر يُخطط له بشكل فردي أو جماعي، حيث الذهاب إلى الحجاز مع قافلة كل له فيها مأربه من تجارة وعلم وحج…، أو الجمع بين تلك المآرب أو بعضها .كانت هذه القوافل تجابه جملة من التحديات البشرية من قطع للطرق وإتاوات وغيرها زادت بعد قدوم بني هلال إلى بلاد المغرب خلال القرن 5هـ/ 11م، ثم تحديات طبيعية تمثلت في قلة المياه في بعض المناطق الصحراوية أو فساد طعمها أحيانا، وزوابع رملية، ورياح جافة، وشدة الحرارة، والأمطار أحيانا، فضلا عن خطر الحشرات والزواحف كل هذا مع طول الطريق بين بلاد المغرب والحجاز، جعلت من الحج تحديا عسيرا وشاقا. ظلت هذه التحديات تؤرق المغاربة القاصدين لأداء فريضة الحج، فكانت تجابه بشكل تضامني، تفلح أحيانا في مقصدها وتخيب أحيانا أخرى .مما جعل الراغب في الحج أو الراغبين فيه، يحرصون على مرافقة القوافل المتجهة إلى شرق بلاد المسلمين لدرء التحديات المشار إليها، إذ أن الذهاب إلى الحجاز بشكل فردي، أو في نفر قليل كان شبه مستحيل. حتى إن بعض الفقهاء، «المحسوبين على التيار العقلاني»، ونتيجة التحديات البشرية، أفتوا بسقوط الحج على أهل المغرب أو تأجيله إلى أن تتحسن الظروف. كانت القافلة تؤجر دليلا لتفادي التوهان، وتؤجر الحراس للتقليل من المخاطر، والمبعوثين لتأمين محطات إقامتها وتزودها. ومع ذلك، ظلت التحديات والمخاطر، بشتى أنواعها، تواجه القوافل، مما شكل حافزا للتفكير في أشكال تنظيمية جديدة لقافلة الحجيج، فظهر الركب الصالحي، وأعقبه الركب السلطاني.
محمد ياسر الهلالي
تتمة المقال تجدونها في العدد 144 من مجلتكم «زمان»











































