بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، أسهم ”العلوج “في المغرب بشكل كبير في تحديث الجيش. في تلك الحقبة، تمتعوا بمكانة سمحت لهم حتى بوضع اللبنات الأولى لدولة مركزية، وهو دور ظل حبيس أسرار التاريخ.
يعتبر “العلوج“ من الفئات الأقل حظا في التأريخ المغربي .فهؤلاء الرجال الذين تخلوا عن جذورهم الأوروبية والمسيحية، لم يُمنحوا “حق الغفران“، لا من هذا الجانب ولا من ذاك. فبالنسبة للمغاربة، ورغم اعتناق هؤلاء المحاربين الإسلام، فقد ظلوا في نظرهم “روميين“ من حيث الأصل. أما المؤرخون الغربيون، فلم يكن لديهم سوى الازدراء لرجال لم يروا فيهم سوى خونة. هناك، أيضا، قلة من المؤرخين من تعمق بدقة في الوظائف العسكرية والإدارية لهذه الفئة من الرجال الذين تم إقصاؤهم سريعا من أدوار البطولة التاريخية. ومع ذلك، فإن إسهاماتهم في بناء دولة حديثة تظل حقيقة قائمة، إذ أثرت خبراتهم بشكل ملموس في سير عمل “المخزن“. ومن دون اعتراف صريح بذلك، لم تتوانَ السلطة المغربية آنذاك عن استغلال أعدائها السابقين لتحقيق أقصى قدر من المكاسب .وبفضلهم، تحسنت الاستراتيجيات السياسية والعسكرية المعتمدة في مواجهة القوى الغربية المهددة بشكل كبير خلال القرنين السادس عشر والثامن عشر .واليوم، تميل صناعة سينما الترفيه إلى تلميع صورة “العلج“، ليظهر في القصص الخيالية كـ“مغامر جسور“ يعمل لحسابه الخاص. أما في الواقع، فقد كان “العلج“ شخصا منزوع الجذور، غالبا ما طارده بنو جلدته، واضطر للاندماج في عالم غريب عنه. وغالبا ما كان التحول إلى “علج“ قسرا لا خيارا، فالمعنى الحرفي للمصطلح يشير مباشرة إلى تغيير العقيدة. وفي المغرب، كان على هؤلاء العلوج التخلي عما هو أكثر من الدين، إذ تعين عليهم إظهار الطاعة والامتثال لأسيادهم الجدد، وكان ذلك هو الثمن الحقيقي للنجاة. هذا الخيار كان يُعرض على جميع الأسرى المسيحيين لدى المغاربة، سواء في المعارك أو إبان غارات السفن الجهادية. وبالنسبة للرجال القادرين على القتال، كانت المقايضة بسيطة: العيش واعتناق الإسلام للاستفادة من وضع يسمح بالهروب من الأسوأ، أو الموت في معسكرات العمل انتظارا لتبادل محتمل للأسرى، مع تضاؤل فرص النجاة بشكل حاد.
ومع ذلك، لم تكن هذه الأسباب هي الوحيدة، فقد كان يحدث أحيانا أن يقرر الفارون من العدالة، ممن ارتكبوا جرائم في بلدانهم الأصلية، الانضمام إلى الصفوف المغربية .وأخيرا، كان “الفرار من الجندية“ سببا آخرا، حيث قرر بعض جنود الجيوش الأوروبية الانشقاق عن صفوفهم لأسباب متنوعة. وبمجرد اتخاذ هذا القرار، كان الرجوع مستحيلا. وأيا كان مصير هؤلاء، فقد كان مغرب “الجهاد البحري“ يمثل في ذلك الوقت الفرصة المثالية لبدء كل شيء من الصفر.
يونس مسعودي
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































