ما هي البدايات الأولى ومراحل تشكل الجيش المغربي؟ وهل استطاع الجيش عبر تطوره التعبير عن مدرسة عسكرية خاصة، لا سيما بفضل الانتصارات التي حققها، ومع الإصلاحات التي عرفها؟ في هذا الحوار مع المؤرخ مصطفى الشابي، نستعرض التاريخ العسكري للجيش المغربي منذ نشأته وصولا إلى زمن الحماية.
حدثنا عن المظاهر الأولى لتشكل الجيش المغربي؟
اعتبارا من سنة 704م، أصبح المغرب خاضعا للخلافة الأموية بدمشق، بعد مقاومة مستميتة لسكانه أمام الفاتحين العرب، مدة ناهزت الأربعين سنة، إذ كانوا، جميعا، جنودا، يستنفرهم رؤساؤهم وشيوخهم عند الضرورة، لحمل السلاح والتصدي إلى الخصم الأجنبي .وعند انتهاء المواجهات والعمليات الحربية، يعودون إلى حقولهم ومشاغلهم وكأن شيئا لم يحدث .ثم إن انتشار الإسلام في ربوع البلاد، وارتباطها سياسيا وثقافيا بالمشرق العربي قد أهلاها للإسهام في نشر الرسالة المحمدية في هذه المناطق الشاسعة والممتدة جنوبي الصحراء الكبرى، أي في أقطار السودان الغربي، وفي أقطار الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط. وهكذا نزل طارق بن زياد بالصخرة التي صارت تسمى جبل طارق فيما بعد، وذلك استعدادا للفتح والاستيلاء على شبه الجزيرة الإيبيرية، الأندلس فيما بعد .ومما نتج عن ارتباط المغرب بالمشرق العربي، أن مؤسسة الجيش تأثرت بالأساليب الجارية بها العمل في هذا القطاع، من حيث تكوين الجند، وتحريكهم في مواقع الوغى. طبعا، ومنذ أقدم العصور، وخصوصا منذ أن أصبح حوض البحر الأبيض المتوسط رومانيا، كان للقبائل المغربية، نظمها، وقواعدها، وعاداتها في السلم والحرب، وكان تكتلها، بين الفينة والأخرى لمواجهة خطر داهم، أمرا طبيعيا. ثم إن الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب حتى أواخر العصر المريني، بما في ذلك إمارة بني صالح بنكور وإمارة البرغواطيين بتامسنا، وإمارة بني مدرار بسجلماسة، وإمارة الأدارسة بفاس، قد ظلت تعتمد على القبائل التي خرجت من رحمها، إذ كونت لحمتها وقوتها الضاربة في نشر دعوتها، وترسيخ حكمها، وإشعاع نفوذها. وهكذا، اعتمد المرابطون على قبائل صنهاجة والموحدون على مصامدة الجبل مع الاستعانة، طبعا، بمحاربي القبائل المنضمة إلى دعوتهم، وبعدد من الأجانب بغاية تقوية صفوفهم .وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أنه من صميم الحركتين المرابطية والموحدية، وخصوصا زعيمهما الروحيين عبدا لله بن ياسين والمهدي بن تومرت، لم يكونا يترددان في حمل السلاح، والاشتباك مع العدو في ميادين المعركة، وخير دليل على ذلك أن الزعيم الروحي للمرابطين ومؤسس حركتهم قد سقط، قتيلا، أثناء مواجهته للبرغواطيين، ودفن بكريفلة ببلاد زعير.
ما هي خصائص ونظام الجيش المغربي في العصر الوسيط؟
ينبغي، أولا، ملاحظة ما يلي وتأكيده: فإطلاق تسمية العصور أو القرون الوسطى على الفترة الممتدة ما بين أواسط القرن التاسع للميلاد والعشرين سنة الأولى من القرن الموالي، أي فترة حكم المرابطين بالبلاد، والجزء الأوفر من عصر الموحدين فيه كثير من التعسف والابتعاد عن الحقيقة، إذ تُعد هذه الحقبة من تاريخ المغرب من ألمع وأعظم فتراته سياسيا، وثقافيا، وحضاريا ليس، فحسب، على المستوى الداخلي، بل على المستوى الجهوي والإقليمي. ففيها عبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، حيث انتصر جيش المرابطين انتصارا بينا، في معركة الزلاقة سنة 1086م، قرب بلدة بطليوس، على القوات المسيحية بقيادة ألفونسو السادس، ملك قشتالة. وحقق الموحدون، على يد الخليفة يعقوب المنصور، انتصارا مماثلا لهذا الانتصار في معركة الأرك ضد الإسبانيين .فذاع صيت المغرب وعلا بين بلدان البحر الأبيض المتوسط، مما جعل بعض أعظم دول أوروبا ترغب في ود المغرب وصداقته. فهذا، مثلا، ملك بريطانيا العظمى جون يسعى جاهدا في الظفر بمساعدة الخليفة الموحدي محمد الناصر حتى يتمكن من تعزيز صفوفه، في مواجهة تهديدات ملك فرنسا. وكان القائد صلاح الدين الأيوبي قد استنجد بيعقوب المنصور الموحدي سنة 1187م بغاية مواجهة الصليبيين الساعين إلى الاستيلاء على مدينة القدس، ومدن ومواقع أخرى في فلسطين وبلاد الشام.
حاوره غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































