مكنت أطر وزارة الداخلية الصحافة الوطنية من نيل الإعلانات الدعائية الخاصة بحملة انتخابات ،2021 وحملة التجنيد العسكري منذ ثمان سنوات، وحتى الحملة الانتخابية الجديدة لسنة 2026 التي انطلقت يوم 15 ماي الماضي .ومن المعروف أن الأموال التي تم تخصيصها هي أموال مقتطعة من ضرائب المواطنين المغاربة؛ أولئك الذين يقرؤون الصحف والمجلات المغربية، ويتابعون القنوات التلفزية المغربية، ويطلعون على مواقع الأخبار. وقد وُزِّعت على الجميع، من أهم هيئة صحافية، وفق تقييم أطر وزارة الداخلية، إلى أقل المنابر قيمة ومقروئية على الساحة الوطنية، بل حتى تلك التي تشيع التفاهة، كما يقول المغاربة.
ارتأت الوزارة أن تمنح للجميع، بل حتى على اللوحات الإشهارية والملصقات في الفضاءات العمومية… فكرت الوزارة في كل شيء، أي في كل من يمكنه إيصال المعلومة حيث يجب أن تصل، حتى ولو كان دون قيمة تُذكر.
جميل جداً، إنها عين العدل والديمقراطية. لكن كان لوزارة الداخلية استثناء، وربما يكون الوحيد: إنها مجلة “زمان“ في نسختيها العربية والفرنسية وموقعيها الإلكترونيين. لا نعرف في مجلة “زمان“ ما هي المعايير التي على أساسها تقوم وكالة الإشهار، التي كلفتها أم الوزارات، بـ“مكافأة“ الصحافة المغربية. وربما أن الوكالة نفسها لا تعرفها، إذ عندما نتواصل معها تُجيب في كل مرة بأن الوزارة هي التي تزودها بلائحة “المُنَعَّم عليهم“ .وبذلك تبقى آلية الاختيار ومنطقها غامضين، كما أن غياب الشفافية يعزز الإحساس بأن القرار لا يستند إلى قواعد واضحة، بل قد يتعداها إلى اختيارات “اعتباطية“.
نعرف في “زمان“ أن المؤسسة الملكية هي التي كلفت وزارة الداخلية بالإشراف على الانتخابات، ولم تتركها بيد رئاسة الحكومة، وذلك حسبما نعتقد ضماناً للحياد، لأن وزارة الداخلية هي أم الوزارات، ولأنها تتسم بالمعقول والحيادية. لكن يبدو أن الحياد يخص البعض دون البعض الآخر، إذ لم يكن من نصيب “زمان“ إلا الإقصاء.
لماذا إذن؟ ألم تقم “زمان“ بدورها الوطني؟ ألم تُنجز ملفات بمستوى علمي ومسؤولية وطنية؟ ألم تُنجز ملفات خاصة عن تاريخ الجيش، وتاريخ التجنيد، وعن وزارة الداخلية نفسها، بل وتاريخ الانتخابات أيضاً؟ أو ربما يكون لوزارة الداخلية موقف من التاريخ وممن يمارس التاريخ؟ وهل ليس لنسختي “زمان“ حضور في سوق القراءة؟ علما أنهما تعتبران من المجلات الأكثر مقروئية في المغرب.
هنا، لا بد من التنويه بأن طبيعة قراء “زمان“ باللغتين تنتمي إلى مستويات مختلفة : من الثقافي البسيط إلى الجامعي العالي. أليس من حق هذه الشريحة من المواطنين أن تعرف، من خلال إعلانات وزارة الداخلية، ما يدور في بلدها وما هي الاستحقاقات المنتظرة عبر مجلتهم المفضلة؟ أليس لهؤلاء القراء أي اعتبار؟
كان من الممكن ألا نكتب هذا العمود لو أجابنا من اتصلنا بهم في الوزارة، مستفسرين فقط عن هذا الموقف الذي يبدو أنه أصبح مبدئياً .فهل نحن في “لائحة“ ما بأم الوزارات؟ هل الأمر صادر عن أعلى سلطة في الوزارة، أم أن الأمر يتعلق فقط بموقف إطار واحد منفرد داخل الوزارة؟
ربما يبدو أن هذا الإطار، إن وُجد فعلاً، دائم أبدي، لأن الموقف لم يتغير منذ عدة سنوات .اتصلنا وكتبنا، وفعلنا ذلك وانتظرنا لأننا مؤسسة تحترم نفسها. ولما سُدَّت الأبواب، التجأنا إلى الوسيلة الوحيدة التي نمتلكها، وهي التعبير عن رأينا والاستفسار كتابةً على أعمدة مجلتنا. نحن مؤسسة عمرها أكثر من خمس عشرة سنة، تحملنا ونتحمل عناء كتابة التاريخ، تاريخ بلدنا؛ هذا الاختصاص الذي تتهرب منه المنابر الصحافية لأنه غير مربح. نقوم بذلك بحب وتفانٍ لأننا نؤمن بدورنا، ونعتمد، للأسف، في ذلك على دعم الدولة عبر الإشهار من أجل البقاء.
فلماذا تُحرَم “زمان“ منه إذن؟















































