في الوقت الذي احتفظت فيه المصادر بأخبار قيام الدولة الموحدية، أغفلت سيرة أحد أهم شهودها. فمن هو البيذق؟ وكيف تحول من رفيق لابن تومرت إلى مؤرخ ترك أوفى شهادة معاصرة عن ميلاد واحدة من أقوى دول الغرب الإسلامي؟
إذا كان أبو بكر بن علي الصنهاجي، المعروف بالبيذق، يُعد أحد أبرز شهود مرحلة التأسيس في تاريخ الدولة الموحدية، فإن المفارقة أن حياته الشخصية تظل محاطة بالغموض. فعلى الرغم من كثرة كتب التراجم التي ألفت خلال العصر الموحدي أو في العصور اللاحقة، فإنها تكاد تخلو من أخبار هذا الرجل، فلا تقدم معلومات عن مولده ولا نشأته ولا موطنه ولا تكوينه ولا حياته قبل اتصاله بابن تومرت، ولم يكن الحال أفضل بكثير بعد الاتصال بين الرجلين ولا حتى بعد قيام الدولة الموحدية. لهذا يصعب إعادة رسم سيرة البيذق بعيدا عن كتابيه: “أخبار المهدي ابن تومرت وبداية دولة الموحدين“ و“المقتبس في معرفة الأصحاب“. غير أن هذين الكتابين لا يقدمان ترجمة ذاتية لمؤلفهما، وإنما يوردان أخباره عرضًا أثناء رواية أحداث الدعوة الموحدية ثم بعد تأسيس الدولة، فتأتي الإشارات إليه متناثرة من خلال الوقائع. ومن ثم، فإن معظم ما نعرفه عن البيذق يقوم على الاستنتاج وربط القرائن، لا على الأخبار الصريحة. فكل محاولة لتحديد أصله أو تكوينه أو مراحل حياته تظل مبنية على الترجيح، وهو ما يجعل سيرته أقرب إلى صورة يعاد تركيبها من شذرات متناثرة منها إلى ترجمة مكتملة الأركان. تكاد تكون المرحلة السابقة من حياة البيذق قبل اتصاله بابن تومرت مجهولة تمامًا. فلا تذكر المصادر شيئًا عن تاريخ ميلاده أو أسرته أو تعليمه الأول، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الاكتفاء بفرضيات تقريبية، فرجحوا ولادته في حدود سنة 490هـ/ 1096م، وهو تقدير يستند إلى معطيات مستخلصة من عمره المفترض عند بداية صحبته لابن تومرت.
محمد ياسر الهلالي
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































