أثار مشروع قانون المالية لسنة 2026الكثير من التساؤلات حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا سيما في شقه المتعلق بفتح المجال أمام المستقلين لخوض غمار المنافسة الانتخابية. وبالنظر إلى التاريخ السياسي المغربي، فإن بعض المقربين من السلطة والقصر لطالما لبسوا عباءة المستقلين ثم تحولوا تدريجيا إلى قوة حزبية تقود الحكومات. فهل سيعيد التاريخ نفسه؟
تتّسم نشأة وطبيعة الأحزاب الوطنية المغربية بالتحوّل من الفعل الاحتجاجي إلى العمل السياسي، ويطبع عملية التحول تلك ما يُعرف بـ“الحراك الاجتماعي“. وقد عكست أسماء بعض هذه الأحزاب هذا التحوّل، إذ انتقلت من نشاط جمعوي أو حركي (مثل الحركة القومية وكتلة العمل الوطني) إلى تنظيم حزبي (الحزب الوطني وحزب الشورى والاستقلال). وفي زمن الحماية الفرنسية على المغرب، لم يكن العمل السياسي متاحا خارج الإطار الحزبي المُنظَّم قانونيا، بل فرضت الإدارة الاستعمارية حظرا على تأسيس الأحزاب المغربية، ومنعت الوطنيين حتى من الانضمام إلى النقابات العمالية الفرنسية النشطة .هذا الواقع أجبر المغاربة، الذين كان أغلبهم شبابا في العشرينات والثلاثينات، على العمل كـ“مستقلين” عن الإطار القانوني قبل أن تتاح لهم الفرصة أمام النشاط السياسي المنظّم. لكن ليس هؤلاء الذين نقصدهم في السطور الآتية، بل نقصد أولئك المستقلين الذي حظوا بعناية القصر، وظلوا تحت كنفه إلى أن تهيأت الظروف فتسللوا إلى الحكم وتربعوا على هرم المشهد السياسي والحكومي. شهد التاريخ السياسي للمغرب تأسيس أحزاب من طرف بعض الأشخاص المقربين من دوائر الحكم، أشهرها وفي مقدمتهم حزب “الأحرار المستقلين“ الذي ظهر مبكرا في أواخر الثلاثينات. ورغم محدودية أعضائه ونشاطه السياسي، إلا أنه استطاع الظفر بمناصب وزارية منذ أول حكومة بعد استقلال المغرب. فما حكايته؟ وكيف استطاع “التسلل“ إلى كراسي الحكم؟ خرج الأحرار المستقلون من عباءة الحركة الوطنية كما يقول مؤسسه محمد رشيد ملين، إذ انفصل عن “كتلة العمل الوطني“ جراء الانقسام الذي وقع ما بين علال الفاسي وبين بلحسن الوزاني. ملين، الذي كان يبلغ حينها حوالي 19 عاما، اختار النأي بنفسه عن التصدع القائم، فأسس هيئة سياسية أشبه بنادٍ أطلق عليه اسم “الأحرار المستقلين“. ويُشير في مذكّراته إلى أن الهدف لم يكن تأسيس “حزب ثالث“ للمنافسة والتشويش، بل ليكون تنظيمه رمزا للمحبة وللوفاء والإخلاص وسعيا منه لترسيخ التعاون بين علال الفاسي وبلحسن الوزاني.
غسان الكشوري
تتمة المقال تجدونها في العدد 146 من مجلتكم «زمان»











































