الشخصية المغربية ليست معطى ثابتاً ولا جوهراً مغلقاً، بل هي بناء تاريخي معقّد تشكّل عبر قرون من التفاعل بين ما هو جغرافي، وسياسي، وثقافي، وديني .إضافة إلى كل ما يتعلق بأنماط العيش. فهي تُفهم بوصفها “عملية” أكثر مما هي “هوية ”، ومساراً من التكيّف والتفاوض المستمر مع التحولات، الداخلية والخارجية على السواء.
يصعب فهم الشخصية المغربية من دون البدء بالأرض .فالمغرب يقع عند تخوم متعددة: تخوم إفريقيا وأوروبا، تخوم البحر والصحراء، تخوم الجبل والسهل. هذا الموقع الحدّي لم يكن مجرد معطى جغرافي، بل أنتج تاريخاً من الانفتاح الحذر، ومن القدرة على التوسط بين عوالم مختلفة دون الذوبان الكامل في أيٍّ منها. الجبال (وهنا نقصد بالأساس الأطلس والريف) أنتجت تقاليد الاستقلال، والاعتماد على الذات، والتنظيم الجماعي المحلي (عبر الجماعة والعرف). السهول الأطلسية فتحت المجال للتبادل التجاري، ولظهور المخزن كسلطة مركزية تحتاج دائماً إلى التفاوض مع محيطها. الصحراء، من جهتها، رسّخت قيماً مثل الصبر، والكرم، والتنقل، وربطت المغرب بعمقه الإفريقي لا كهوية رومانسية، بل كواقع تاريخي واقتصادي وروحي. كما أسهم المناخ غير المستقر (سنوات خصب مقابل سنوات جفاف) في تشكّل عقلية احترازية، لا تميل إلى القطع النهائي، بل إلى المرونة والانتظار، وهو ما يفسّر جزئياً الحذر السياسي والاجتماعي الذي يميّز السلوك المغربي مقارنة بجيرانه. لم يعرف المغرب، بخلاف مناطق أخرى في المشرق أو في أوروبا وحتى إفريقيا، قطيعة حاسمة مع تاريخه السياسي .الدولة المغربية، رغم تحوّلاتها، حافظت على نوع من الاستمرارية الرمزية (البيعة، الشرعية الدينية، السلالة) .هذا ما جعل العلاقة بالسلطة علاقة مركّبة: ليست خضوعاً مطلقاً، ولا ثورة دائمة، بل نوعا من المزيج بين الطاعة المشروطة والمقاومة الصامتة. هنا تبرز إحدى خصائص الشخصية المغربية الأساسية : ثقافة التوازن .الفرد المغربي تعلّم تاريخياً كيف يعيش داخل نظام قوي، دون أن يفقد مساحات للمناورة .تظهر هذه الثقافة في اللغة (التلميح بدل التصريح)، في السياسة اليومية، وفي العلاقات الاجتماعية.
كريم البخاري
تتمة المقال تجدونها في العدد 148 من مجلتكم «زمان»















































