هل عبرت العلاقات المغربية الفرنسية عنق الزجاجة وطوت صفحة الخلافات؟ وكيف تنظر اليوم باريس إلى الرباط التي بات لها “حلفاء “أقوياء؟ وماذا عن تأثير الإنجاز الكروي ومستقبله؟
شهدت العلاقات المغربية الفرنسية في السنوات الأخيرة حالة من التذبذب والترقب، لدرجة أن اللقاءات الدبلوماسية أضحى لها تأويل غير سياسي يطال مجالات أخرى، مثل كرة القدم؛ حيث رافقت مباريات المنتخبين، لا سيما في كأس العالم الأخيرة، “تأويلات عاطفية“ تحدثت عن سيناريوهات وخبايا وكواليس تتجاوز الجانب الرياضي. غير أن المشهد اليوم يشهد تحولا هيكليا يتجاوز مجرد المصلحة العابرة أو التأويل العاطفي، ليؤسس لتغيير جذري في العقيدة الاستراتيجية وموازين القوى بين البلدين. فبفضل سياسة المغرب ونجاحه في تنويع شراكاته الاستراتيجية والدفاعية مؤخرا مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا، وفرض “نظارة الصحراء“ على الشركاء، تمكن المغرب من فرض واقع جيوسياسي جديد. هذا الواقع، دفع باريس للخروج من المنطقة الرمادية والتخلي عن سياستها التقليدية، التي كانت –على سبيل المثال– توازن بين الرباط والجزائر.
لقد انتقلت العلاقات من مرحلة الفتور الممتدة بين عامي 2021 و2023 إلى شراكة استراتيجية وطيدة، حيث شكل عام 2024 نقطة الانعطاف الأبرز في هذا المسار، حين أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رسميا اعتراف بلاده بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد لتسوية النزاع. وتتويجا لذاك المسار والدينامية الدبلوماسية الآنية، احتضنت الرباط في منتصف يوليوز 2026 الدورة الخامسة عشرة للاجتماع الرفيع المستوى، برئاسة مشتركة بين رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش والوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو. وشهد هذا اللقاء، الذي حضره 12 وزيرا فرنسيا، تقييما للتقدم المنجز وتوقيع 11 اتفاقية حيوية، شملت تمويل خط القطار الفائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، وشراكات في مجالات الطيران المدني والانتقال الطاقي والأمن المائي، بالإضافة إلى إعلان نوايا لتعزيز التعاون الثقافي والأكاديمي، بما في ذلك تدريس اللغة العربية بمدارس البعثة الفرنسية في المغرب.
تُجمع القراءات والتحليلات السياسية على أن هذا التقارب تفرضه متغيرات إقليمية ومصالح متبادلة عميقة. ففرنسا تواجه صعوبات وتراجعا في استثماراتها في مستعمراتها السابقة بإفريقيا، مما يجعل المغرب، باعتباره بوابة لإفريقيا الأطلسية ودولة ذات دور محوري، شريكا مستقبليا لا غنى عنه. كما استشعرت باريس خطر فقدان حصصها التاريخية في السوق المغربية لصالح دول أخرى، لا سيما في صفقات التسليح والبنية التحتية الكبرى، تزامنا مع الاستثمارات الضخمة التي سيشهدها المغرب استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030. لذلك، جاء الموقف الفرنسي الداعم للسيادة المغربية كضرورة سياسية لإنعاش الشراكة الاقتصادية، وهو ما تُرجم في صفقات ضخمة كالهيدروجين الأخضر والقطار فائق السرعة. في المقابل، يستثمر المغرب هذا الاندفاع الأوروبي بذكاء لتوجيه المشاريع نحو أقاليمه الجنوبية تكريسا لسيادته اقتصاديا، مع الدفع نحو بناء صناعة دفاعية وطنية قائمة على نقل التكنولوجيا الدقيقة عوض الاكتفاء بشراء المعدات، مما يعزز استقلاليته الاستراتيجية.
وتتجه الأنظار اليوم نحو الخريف المقبل، إلى حدث كبير يتمثل في زيارة دولة مرتقبة سيقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس. هذه الزيارة، التي تأتي ثمرة لأكثر من أربعين لقاء وزاريا مكثفا في الفترة الأخيرة، ستحمل أبعادا استراتيجية عميقة؛ إذ يُنتظر أن تشهد توقيع معاهدة مغربية فرنسية غير مسبوقة. وتُعد هذه المعاهدة، التي أوكلت مهمة صياغتها لشخصيات بارزة، الأولى من نوعها التي تبرمها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى مأسسة العلاقات الثنائية وفق رؤية مستقبلية طويلة الأمد حيال قضايا إقليمية كبرى سيكون فيها المغرب الطرف الأساسي.















































