ما يزال موضوع الهوية المغربية اليوم مثار نقاش واحتدام بين النخب الفكرية والسياسية، وقد انتقل الباحثون المهتمون بهذا الشأن إلى توسيع أبحاثهم لتشمل ”الشخصية المغربية “باعتبارها تجسيدا زمنيا غير مقيد بسياقات معينة. ولفهم الموضوع أكثر في إطاره التاريخي والاجتماعي، يوضح لنا الباحث السوسيولوجي وعضو أكاديمية المملكة، محمد الصغير جنجار، في هذا الحوار، الإشكالات المرتبطة بالشخصية والهوية المغربية.
أعلن المغرب مؤخرا عن اكتشافات أثرية جديدة، وهي تضاف إلى اكتشافات ينفرد بها المغرب، والتي تتمحور حول خصوصية معينة لهذه الأرض عبر التاريخ. كيف تقرأ أنت هذه الاكتشافات على مستوى تأثيرها في تشكيل الشخصية المغربية أو الوعي بها؟
فعلا، عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة الإعلان عن اكتشافات أثرية بالغة الأهمية، مثل اكتشاف موقع جبل إيغود سنة ،2017 حيث تعود بقايا الإنسان العاقل (Homo Sapiens) إلى ما يفوق 300 ألف سنة .أما الاكتشاف الأحدث في مقلع طوما 1 بمدينة الدار البيضاء، فيؤكد بصورة جلية أن الأرض المغربية لم تكن هامشا في تاريخ التطور البشري كما كان يتصور البعض، بل شكلت أحد مراكزه الأساسية في إفريقيا، إذ كشفت هذه الحفريات الأخيرة عن آثار للإنسان تعود إلى نحو 773 ألف سنة، ما يعزز المكانة المحورية لغرب شمال إفريقيا ضمن سردية أصول الإنسان المعتمدة في أوساط علماء الباليو–أنثروبولوجيا.
ومع نشر نتائج هذا الاكتشاف في مجلة Nature مطلع هذه السنة، بات لدى علماء الآثار ما يكفي من المعطيات العلمية لاعتبار هذه البقايا أسلافا مباشرين للإنسان العاقل، الأمر الذي يسهم في تقويض الفرضيات المنكرة لنظرية الأصل الإفريقي للإنسانية؛ تلك الفرضيات التي ما فتأت تغذيها بعض الأوساط العلمية سواء في أوروبا أو آسيا. وإلى جانب ما تحدثه هذه الاكتشافات من تحول عميق في فهمنا لمسار التطور البشري، فإنها ترسخ مكانة المغرب كفضاء أثري مرجعي على الصعيد العالمي، لا غنى عنه لتوثيق المراحل الأولى من تاريخ نوعنا الإنساني.
الملاحظ في الفترة الأخيرة أن الفكر المغربي اتجه نحو تأليف كتب من قبيل: “مديح الهويات المرنة” (حسن رشيق)، “الوطنية المغربية” (حسن طارق)، “الشخصية المغربية” (الطيب بياض)، “فخ الهويات” (حسن أوريد)، وأخرى حول “تمغربيت”. لماذا هذا التوجه في الكتابة وبالتحديد في السنوات الأخيرة؟
أرى أنه لا بد من التذكير أولا بأن الأمر ليس جديدا، فالكتابة عن المغرب، تاريخا ومجتمعا وثقافة وحضارة، ظلت دائما الموضوع المركزي عند غالبية المفكرين والباحثين المغاربة. وتظهر التقارير السنوية حول حصيلة النشر بالمغرب، الصادرة عن مؤسسة الملك عبد العزيز مثلا، أن أزيد من ثلثي الإنتاج الفكري في العلوم الإنسانية والاجتماعية يندرج ضمن القضايا الوطنية، وما يوصف في حالتنا هذه بالنزعة «المحلية» أو «الإقليمية» نتيجة ندرة الاهتمام بالمجالات الجغرافية والحضارية الأخرى في الإنتاج المغربي، يشكل في نظري ظاهرة طبيعية في المرحلة الحالية لتشكل الحقول المعرفية في بلدان المغرب الكبير، إذ يجب ألا نغفل بأن العلوم الاجتماعية والإنسانية والدراسات المغربية بصفة خاصة حديثة النشأة في حقلنا الأكاديمي. نذكر بأن صدور كتاب “النبوغ المغربي“ لعبد لله كنون في سنة 1938 يعد نقطة الانطلاق لهذا الجنس الجديد من الكتابة في تاريخنا الثقافي. ومنذ هذا النص المؤسس اتضح أن جهود النخب الفكرية المغربية اتجهت بالأساس نحو تأكيد الهوية الوطنية في مواجهة المشروع الكولونيالي، والسعي لتحقيق الاستقلال الفكري عن المركزية المشرقية، من خلال إعادة اكتشاف التراث الأدبي والفكري المغربي الذي همشته السرديات القادمة من المشرق. ومع نشأة الجامعة المغربية في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، واصل الباحثون المغاربة في مجالات التاريخ والدراسات الأدبية واللغوية وفي السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، وبشكل أقل في الدراسات الدينية، العمل في ذات المسار مع الاستفادة من المناهج الحديثة التي أتاحها الانفتاح على البحث العلمي الدولي.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 148 من مجلتكم «زمان»















































