تُعدّ گرسيف من المدن المغربية التي تختزن ذاكرة تاريخية غنية، بصمتها التحولات السياسية والعسكرية والجغرافية عبر العصور .ورغم موقعها الاستراتيجي وإسهامات أبنائها في مقاومة الاستعمار، ظلت المدينة تواجه تحديات الركود والتهميش، مما يجعل استحضار تاريخها مدخلًا لفهم واقعها وتساؤلات تنميتها.
تَنفرد مُدن المغرب الكُبرى وحواضره الصغرى وقُراه بـمِيزاتٍ وخصائص أسهمَت في تَشُّكلها الجغرافيا والانتقالات البشرية والطبائع المدنية والسياسات الـعمومية عبْر التاريخ، وتُفْصِحُ للزائر والباحث والأثَرِي عَـمَّا تَنطوي عليه كل مدينة أو حاضرة أو بلْدةٍ من أسرار وقصص ومعمار وآثار ومعالم بشرية وحضارية لا تكادُ توجَد في مدينة أخرى، ما عَدا الاشْتراك فيما يجمعُها جَميعا؛ الوطن الأب، وروح التاريخ المغربي، والهوية الدينية والمذهبية، والتنوع اللساني. فالحديث عن مُدن المغرب حديثٌ عن خصائص ومميزات ومسارات وتحديات وإكراهات عاشْتَها الـمدن أو ما تزال تشهَدُها أخُرى، وهو حديثٌ لا ينفصِلُ فيه اسْتحضار التاريخ عن الثقافة الشعبية وهذه عن الجغرافيا والاجتماع. وُلِدت گرسيف في حِضْن السهول الوُسطى بالجهة الشرقية للمغرب الأقصى على الضفة اليُسرى لوادي ملوية، ثالثُ أكبر وديان المغرب العظيمة، ووادي مْلولو الـمتصلِ بإقليم تازة التي تبعُد عن كرسيف حاليا بحواليْ 65 كيلومترا.
وقَد فَرضَ الـمناخُ القاسي للجهة الشرقية منذ قرون خَلَتْ، صَيْفاً تبلُغُ درجاتُ الحرارة فيه فوق الأربعينَ، فتكتوي كرسيف بجَوٍ حار وجافٍّ، وشتاءً تتضاءلُ فيه التساقطات المـطرية، فَـتَبْخَلُ على الإقليم إلَّا بقطراتٍ غير منتظِمة لا تُسْهِم في إخصاب الأراضي الزراعية ولا مَلء العيون والآبار لسَقْي الـمَزروعات، لا سِيَما الزيتون الذي تتميَّز به گرسيف منذ قُرون.
إنَّ الوجود التاريخي والجغرافي والطبيعي للمدينة في مُلتقى واديينِ كبيرينِ لَـم يجعَل منها جَنةً فيْحاء ولا أرضا خضراءَ لساكنيها وزوَّارها، فالسهْل القاحِلُ الـمتأثِّر بجفاف الطَّقس طيلة فصول الصّيف والربيع والخريف، أضْفَى على الإقليم والمدينة خصوصية مناخية وبيئية وجغرافية.
عدنان بن صالح
المقال الكامل من العدد 157 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































