من خلال رحلة أمين الريحاني إلى تطوان والمنطقة الخليفية سنة ،1939 نكتشف شهادة نادرة عن مرحلة استعمارية سعت فيها إسبانيا الفرانكية إلى تقديم نفسها بوصفها امتدادا للأندلس، وجسرا للتقارب بين العرب والإسبان، في تجربة تختلط فيها الثقافة بالسياسة، وتغيب تفاصيلها اليوم عن الذاكرة المغربية.
في سنة ،1939 زار أمين الريحاني، وهو أمريكي من أصل لبناني، تطوان والمنطقة الخليفية، ومكث بها زهاء ستة أشهر، ونشر تفاصيل رحلته في كتاب يحمل عنوان “المغرب الأقصى“، كتبه سنة 1940، وما لبثت المنيّة أن وافته بعد ذلك بأشهر .حلّ أمين الريحاني بتطوان، وكانت زيارته لتطوان تستجيب لعاملين: أولهما، كما أقرّ هو نفسه، أنه بصفته أمريكيًا كان يستشعر قوة اللوبي اليهودي في نيويورك، ويدرك دعمه للحركة الصهيونية الناهضة، ويرى أنه لا بد من قوة مضادة، من خلال لمّ شعث العالم العربي، مشرقه ومغربه، مسلميه ومسيحييه، لصدّ المد الجارف للصهيونية. أما العامل الثاني، فهو أن إسبانيا الفرانكية، التي خرجت منتصرة من الحرب الأهلية، كانت تريد من يُحدّث عنها. وكان فرانكو مدينًا في انتصاره لنحو 170 ألفًا من المغاربة المسلمين الذين حاربوا في صفه، ولذلك كان يريد أن يثيبهم من خلال ما يمكن أن نسميه “سياسة عربية“ في المنطقة الخليفية، أو، إن شئنا، بعث سابقة الأندلس المسلمة في ربوع المنطقة الخليفية، التي كانت تخضع لإسبانيا، وتتمايز تمامًا عن التجربة الاستعمارية الفرنسية في الربوع التي كانت خاضعة لها.
يعدّ كتاب أمين الريحاني حالة فريدة، فهو كتاب كُتب باللغة العربية عن الفترة الاستعمارية. كثيرة هي الكتب التي كُتبت عن المغرب بالفرنسية والإسبانية والإنجليزية، وحتى الألمانية، أما باللغة العربية، فهو كتاب فريد مما وصلنا. لا يخلو الكتاب من جانب انطباعي ومن عدم الدقة، ولكن ذلك لا ينقص من أهميته. يبدأ أمين الريحاني بملاحظة ثاقبة، وهي أن عرب المشرق يجهلون ما في المغرب الأقصى. وجهل المشارقة، كما يقول، في سوريا والعراق وشبه الجزيرة بشؤون المغرب أكبر من جهل المغاربة بشؤون الشرق، لانعدام الصلات التجارية والأدبية. ولذلك جعل وُكده التعريف بشؤون المغرب أولًا، وبتاريخه المضطرب مع أوروبا، ويتوسع في الحديث عن المنطقة الخليفية، ولو بالتفصيل الممل. يصل إلى طنجة قادمًا من الجزيرة الخضراء. لا تروقه طنجة ولا انحلالها، لكن هواه لتطوان، المدينة البيضاء… وبها يقيم زهاء ستة أشهر، ومنها يجول في أرجاء المنطقة الخليفية، إلى العرائش والقصر الكبير وشفشاون، ويذهب أبعد إلى عمق الريف، في سان خورخو (الحسيمة)، والناظور، ومليلية.
حسن أوريد
المقال الكامل من العدد 157 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































