على امتداد ثلاثة قرون، أقامت فئة من المغاربة في بلاد السودان الغربي نظاما سياسيا، وأدارت حكما مستقلا بتنبكتو، أطلقوا عليها اسم ”الأرما”. ولم يكن حضورهم وتأثيرهم مقتصرا على شؤون الدولة وحدها، بل تركوا بصمتهم في العمران والفكر والثقافة والموسيقى والطبخ إلى غاية اليوم. فما حكاية هؤلاء ”الأرما “الذين أغفلتهم كتب التاريخ؟
شهدت أواخر القرن 16م تحولا جيوسياسيا في منطقة الغرب الإسلامي والساحل الإفريقي، حين وجّه السلطان السعدي جيوشه نحو إمبراطورية سونغاي، التي كانت تُعد من أقوى الدول الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء. وقد حظيت تنبكتو بنصيبها في هذا السياق، إذ تحولت إلى مسرح رئيس للتفاعلات الديموغرافية والسياسية والحضارية التي طبعها الوجود المغربي بالمنطقة. ولم تكن الحملة مجرد غزو عسكري عابر، بل مثّلت بداية لتأسيس مملكة صغيرة لـ“الأرما“ امتد حكمها من عام 1591م إلى غاية أفولها عام 1894م.
شكلت حملة السلطان المنصور الذهبي على السودان الغربي منذ العام 1590م، تتويجا لطموحاته الاقتصادية والسياسية الكبرى، التي تمثلت في السعي للسيطرة على المسالك التجارية الصحراوية واحتكار تجارة الذهب، والتحكم المباشر في مناجم الملح في “تغازة“، والتي كانت تشكل عصب الاقتصاد لدى إمبراطورية سونغاي. يذكر الباحث عبد الله سيسي أن سونغاي، وبعد استقلالها عن مالي، أصبحت إمبراطورية إسلامية كبرى إلى أن دمرها المغاربة .وكانت حينها تحت حكم الأسرة الملكية “أسكيا“. كانت ثروات السودان الغربي عموما تسيل لُعاب وأطماع القوى الخارجية، ولم تكن مملكة سونغاي بالضعف الذي يجعلها تقع تحت سطوة جيرانها، مما مكنها من الحفاظ على استقلالها لقرون طويلة.
لم تكن أعين السلطان أحمد المنصور تغفل عما يجري في السودان، إذ كان يتتبع أخبارها عن بُعد، ويتربص بها، بل إن بعض الباحثين يرجحون أن عيون السلطان تسللت داخل بلاط حكم سونغاي ومكثت لحوالي عشر سنوات. يضيف الباحث سيسي في هذا الصدد: «كان أول ما قام به المنصور هو بثّ العيون في كل أرجاء الإمبراطورية، واستمالة العلماء وذوي الجاه والنفوذ وشراء ذممهم بالهدايا، والتلويح لهم بالنسب النبوي الشريف وما له من القداسة وأحقية الطاعة والولاء على ما سواه، إلى غير ذلك من الحيل والألاعيب التي أحكم داهية المغرب نسجها وأحسن استغلالها، حتى ذُكر أن بعض مستشاري بلاط الحكم المقربين إلى أسكيا كانوا من جواسيس المنصور».
غسان الكشوري
المقال الكامل من العدد 157 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية














































