تحوّل المخزن السعدي من أداة تعبئة جهادية إلى جهاز حكم مركزي، أعاد تنظيم السلطة والمجال والمشروعية، في سياق ضغوط خارجية وهشاشة داخلية، مؤسسًا لتقاليد دولة مستمرة في التاريخ المغربي.
في زمن الضغوط الخارجية والتفكك الداخلي، سعى السعديون إلى بناء دولة مركزية قادرة على فرض القرار وتنظيم المجال وضبط العلاقات السياسية والاجتماعية. بين الشرعية الدينية ومنطق الحكم، أعاد المخزن السعدي تشكيل نفسه كجهاز سياسي وإداري فعّال. كانت تلك تجربة مفصلية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الدولة المغربية، ليس فقط بما حققته من استقرار نسبي، بل بما أسسته من تصورات جديدة للسلطة، ستستمر آثارها في العصور اللاحقة. ففي منتصف القرن السادس عشر، كان المغرب يعيش واحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيدًا وحساسية. فقد أدى أفول الدولة الوطاسية إلى فراغ سياسي نسبي، ترافق مع هشاشة في بنية السلطة المركزية، وتراجع قدرة الدولة على فرض نفوذها خارج الحواضر الكبرى .في المقابل، تصاعدت الضغوط الخارجية بشكل غير مسبوق؛ إذ بسطت القوى الإيبيرية نفوذها على عدد من المراسي الاستراتيجية على الساحلين الأطلسي والمتوسطي، بينما كانت الدولة العثمانية تتقدم غربًا بعد تثبيت سيطرتها على المغرب الأوسط (الجزائر)، واضعة المغرب ضمن دائرة التنافس الإمبراطوري المتوسطي. ويرى عدد من المؤرخين أن هذه المرحلة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الصراع السلالي أو العسكري، بل ينبغي فهمها في إطار سؤال أعمق يتعلق بكيفية إعادة بناء السلطة المركزية في سياق داخلي هش وضغوط خارجية متزايدة. في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو: من يحكم المغرب؟ بل أصبح السؤال الأعمق هو: كيف يمكن الحكم؟ وكيف يمكن بناء سلطة قادرة على الاستمرار في مجال يتسم بالتعدد القبلي، والتنافس الجهوي، والهشاشة البنيوية؟ لقد أصبح الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق السلطة المؤقتة إلى منطق الدولة، ومن شرعية اللحظة إلى استمرارية الحكم.
يونس مسعودي
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































