يحيط بموضوع الدولة المركزية التي عرفها المغرب العديد من التساؤلات .فما بين الدولة المرابطية التي وُصفت بكونها أول حكم مركزي، وصولا إلى فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب في مستهل القرن العشرين، وقعت تجاذبات بين المركز والهامش؛ بين أعلى هرم الدولة وبين فئات المجتمع، بين الداخل والخارج .في هذا الحوار، يفكك المؤرخ نبيل مُلين التاريخ السياسي والاجتماعي للحكم المركزي الذي عرفه المغرب.
تذكر المصادر أن المرابطين هم أول من أسس دولة مركزية في المغرب .إذا كان القصد من المركزية هو توحيد البلاد أفلا ينطبق الأمر كذلك على الأدارسة؟
قبل معالجة هذا السؤال لا بد من توضيح مفهوم الدولة المركزية توضيحا تاريخيا دقيقا، لأن جزءا كبيرا من الالتباس يعود إلى إسقاط مفاهيم حديثة على سياقات مغايرة جذريا في بنيتها ووظائفها .فالدولة المركزية في معناها التاريخي لا تُختزل في وجود حاكم ذي شرعية دينية أو رمزية، ولا في توحيد اسمي أو ظرفي لرقعة جغرافية، بل تقوم أساسا على الاستمرارية السياسية، وعلى قدرة سلطة عليا على بسط هيمنتها المنتظمة على مجال ترابي واسع، وتنظيم العنف المشروع، واستخراج الموارد وإدارة الشأن العسكري والقضائي والإداري، بما يتجاوز البنى المحلية والولاءات الظرفية. من هذا المنظور، تعود أصول فكرة الدولة المركزية في المغرب إلى زمن بعيد جدا يسبق المرحلة الإسلامية؛ فقد عرف المجال المغربي في العصور القديمة محاولات أولية لبناء سلطة سياسية عابرة للجماعات المحلية، خاصة في العصر الموري ما بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.غير أن هذه التجارب المبكرة في حدود معارفنا الحالية لم تُفضِ إلى تقليد دولتي متصل، لاسيما بسبب الإدماج الروماني للمجال المغربي في منظومة إمبراطورية خارجية، وهو ما حال دون تبلور دولة محلية مستقلة ذات استمرارية. لهذا السبب ومن الناحية المنهجية، ينبغي حصر النقاش في مرحلة حكم المسلمين. فبعد استيلاء الأمويين على المنطقة في مطلع القرن الثامن الميلادي، وما تلاه من اضطرابات عميقة أدت إلى ثورة الخوارج في منتصف القرن، عرف المغرب بروز عدد من الكيانات السياسية – الدينية المحلية، على غرار برغواطة وبني صالح وبني مدرار وبني إدريس .لم تنجح أيّ منها في فرض سيطرة دائمة أو حتى مؤقتة على مجموع ما سيسمى لاحقا بالمغرب الأقصى.
إلى أي مدى ساعد الحكم المركزي في توسيع ما أُطلق عليه الإمبراطورية المغربية؟
إذا نظرنا إلى التجربة المغربية ما بين القرن الحادي عشر ونهاية القرن الرابع عشر، يتضح أن الحكم المركزي والتوسع الإمبراطوري شكّلا مسارا واحدا لا يكاد ينفصل أحدهما عن الآخر. فخلال نحو أربعة قرون، لم تُمارَس المركزية والاحتكارية بوصفها مجرد آلية داخلية لضبط المجال، بل باعتبارها مشروعا توسعيا يرمي إلى بسط السيطرة شمالا وشرقا. فالتوسع زمن المرابطين والموحدين والمرينيين، لم يكن خيارا عرضيا بل جزءا من منطق الدولة ذاته. ذلك أن ترسيخ السلطة في المركز، كان يفترض السيطرة على الموارد الاستراتيجية وتأمين طرق التجارة وفرض الهيبة السياسية والرمزية، وهي عناصر لا تتحقق إلا ضمن أفق إمبراطوري. ومن هنا كانت المركزية المغربية في هذه المرحلة مركزية توسعية بطبيعتها. وقد أتاح هذا الخيار تعبئة كبيرة للموارد البشرية والمالية والرمزية. إذ سعت الدولة إلى احتكار العنف المشروع وتنظيم الجيش وتوسيع الجباية، وتوحيد المرجعيات الدينية والرمزية. كما حاولت فرض أشكال من الانسجام السياسي والثقافي عبر العاصمة، وبدايات تشكّل ثقافة بلاطية عليا وامتزاج النخب والسعي إلى تجاوز العصبيات التقليدية. غير أن هذا المسار ظل محكوما بحدود بنيوية عميقة. أولها عدم القدرة على بناء مؤسسات مستقرة وقوية قادرة على مواجهة الأزمات المتكررة. فقد بقيت أجهزة الحكم هشّة أمام الصدمات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعاجزة عن إدارتها على المدى المتوسط والطويل.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































