كيف انخرط الفنّانون والمثقفون، أحيانا من دون وعي، في إعادة إنتاج تمثلات قدّمت المغربي بصفته منتميا لـ”حضارة دنيا”، صورة ينبغي محاربتها وتصحيحها.
للحصول على صورة واضحة عن المملكة المغربية، نجحت السلطات الفرنسية في إدخال جيش من المخبرين إلى البلاط السلطاني. ولم تتردد أيضا في استغلال معلومات أو تحليلات أو تدوينات لم تكن بالضرورة صادرة عن أشخاص يعملون في خدمة الإدارة مباشرة. غير أن جيش الإثنوغرافيين والأنثروبولوجيين والجغرافيين واللغويين وعلماء الاجتماع كان محتاجا إلى دعم الإدارة لاستكشاف بلد خطير آنذاك بتوفير الأمن، إضافة إلى الدعم المادي (منح دراسية)… وهذا كان من تخصص الجيش. ويمكن أن نجد، بين هؤلاء، فئات عدة، منهم من كان يبحث عن المعلومة؛ ومنهم من كان يسعى إلى إقناع المواطن الفرنسي العادي (القارئ، دافع الضرائب) بجدوى التدخل الاستعماري في المغرب؛ ومنهم من كان يقدّم صورة “المغرب البربري“ لإبراز ضرورة التدخل من أجل “إنقاذ“ السكان من الفوضى؛ ومنهم من كان ينظر إلى المغرب بدافع الحب والانبهار…
مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ يلاحظ حضور فرنسيين داخل بلاط السلاطين. فإذا كان الطبيب غابرييل فيير قريبا من مولاي عبد العزيز، فإن طبيبا مشهورا آخر كان قد سبق أن دخل بلاط الحسن الأول، وهو الطبيب فرنان ليناريس .في مذكراته، وصف دخوله على السلطان وكأنه هبة من السماء: «أرى اليوم أنني تمكنت من تجاوز أكبر الصعوبات بدخولي في علاقة مع السلطان. سأصبح جزءا من مجرى الحياة الشريفة لجلالة السلطان، أي سأشارك في كل الحملات داخل أراضي الإمبراطورية، دارسا عادات السكان وتقاليدهم، ومتابعا عن كثب كل السياسة المغربية. امتدّت مرحلتي سبع سنوات؛ وقد حان الوقت لأُنجز عملا نافعا». كانت السلطات المغربية ترى في الطبيب ليناريس، المتحرّك بنوايا خيرية، رجلا يؤدي مهمة إنسانية .فقد كان يداوي الناس، حين جاء من الجزائر، قضى سبع سنوات من حياته في رعاية الفقراء، إلى أن «ابتسم له القدر» وأصاب مرض الجدري السكانَ المغاربة. وبمساندة أسرة بركَاش في الرباط، بذل جهده لفرض اللقاح. وهنا أيضا «تدخّلت السماء لصالحه»، إذ أُصيبت امرأتان من زوجات الحسن الأول بالمرض؛ فاستدعاه السلطان، وكانت تلك هي اللحظة الرسمية لولوج الحريم .أمّا الملاحظات التي دوّنها بعد ذلك فكانت بطلب، وهكذا تتضح مهمة الطبيب “فاعل الخير“».
موليم العروسي
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































