في صباح صيفي دافئ، كانت شمس غرناطة تنساب بهدوء فوق أسوار قصر الحمراء العتيقة، فيما أخذ الزوار يتقاطرون نحو «كارمين دي لوس بورسيل»، ذلك الفضاء الهادئ المعلق بين حدائق الحمراء وتلالها المطلة على المدينة. هناك، وفي مكان تختلط فيه روائح الياسمين والبرتقال بعبق التاريخ، شهد قصر الحمراء يوم السبت 13 يونيو افتتاح الفضاء الأمازيغي الدائم، في حدث ثقافي حمل أكثر من دلالة، وأعاد إلى الواجهة صفحة طويلة من الروابط التي جمعت بين المغرب والأندلس على امتداد قرون.
لم يكن الأمر مجرد افتتاح معرض جديد داخل أحد أشهر المعالم التاريخية في العالم. منذ اللحظات الأولى، كان واضحاً أن المناسبة تتجاوز حدود العمل المتحفي التقليدي. فبين جدران الحمراء التي شهدت تعاقب حضارات ودول وإمبراطوريات، عاد التراث الأمازيغي ليجد له موطئ قدم في قلب أحد أبرز رموز الذاكرة الأندلسية.

في الساحة المؤدية إلى الفضاء الجديد، كان الحضور المغربي والإسباني يعكس الطابع الاستثنائي للمناسبة. شخصيات ثقافية وأكاديمية ودبلوماسية ومسؤولون من البلدين تبادلوا التحايا والأحاديث، فيما كانت الأنظار تتجه نحو هذا المشروع الذي طال انتظاره.
وتقدم الحاضرين عثمان بنجلون، رئيس مؤسسة الدكتورة ليلى مزيان، مرفوقاً بابنته دنيا بنجلون، نائبة رئيس المؤسسة، إلى جانب مستشار جلالة الملك أندري أزولاي، ووزيرة الثقافة والرياضة بحكومة الأندلس باتريسيا ديل بوزو فرنانديز، ومدير مؤسسة الحمراء وجنة العريف رودريغو رويز خيمينيث كاريرا، فضلاً عن شخصيات أكاديمية وثقافية بارزة من المغرب وإسبانيا.
وخلال كلمات الافتتاح، استُحضرت الراحلة الدكتورة ليلى مزيان بنجلون، التي كرست جزءاً مهماً من حياتها لجمع التراث الأمازيغي والمحافظة عليه. وكان اسمها حاضراً بقوة في مختلف تفاصيل المناسبة، باعتبار أن هذا الفضاء يمثل ثمرة عقود من العمل الدؤوب والشغف بالثقافة المغربية وتنوع روافدها.
بعد انتهاء الكلمات الرسمية، بدأت جولة داخل أروقة الفضاء الجديد. وما إن يعبر الزائر عتبته حتى يجد نفسه أمام رحلة بصرية وتاريخية تمتد عبر قرون طويلة من تاريخ الأمازيغ. حلي فضية تتلألأ داخل واجهات العرض، وأقمشة مطرزة بعناية، وخناجر احتفالية، وأدوات حياة يومية، وقطع نادرة تحمل في تفاصيلها قصص نساء ورجال عاشوا في جبال الأطلس والريف وسوس والصحراء.
ليست المعروضات مجرد تحف جامدة. لكل قطعة حكاية. فهذه الدبوسة الفضية كانت جزءاً من زينة عروس أمازيغية، وتلك القلادة المصنوعة من المرجان والخرز الزجاجي كانت رمزاً للمكانة الاجتماعية، بينما تحكي التيجان التقليدية المعروفة باسم «تاونزا» جانباً من الطقوس والاحتفالات التي حافظت عليها المجتمعات الأمازيغية عبر الأجيال.
ويضم الفضاء مجموعة استثنائية جمعتها الراحلة ليلى مزيان بنجلون على مدى أكثر من خمسين عاماً، كما يضم قطعاً نادرة تبرع بها السفير الإسباني الأسبق لدى المغرب خورخي ديزكالار. وتمنح هذه المجموعات للزائر فرصة نادرة لاكتشاف تنوع التراث الأمازيغي وغناه، بعيداً عن الصور النمطية والاختزالات الشائعة.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه هو العلاقة التي ينسجها المعرض بين الأمازيغية والأندلس. فغرناطة نفسها مدينة تحمل في جذورها بصمات أمازيغية واضحة. هنا أسس الزيريون نواة المدينة سنة 1013، وهنا مر المرابطون والموحدون والمرينيون وتركوا آثارهم في العمران والسياسة والثقافة. ومن هنا أيضاً تكتسب إقامة فضاء أمازيغي داخل الحمراء معناها الرمزي العميق؛ فهو لا يقدم ثقافة وافدة من الضفة الجنوبية للمتوسط، بل يستحضر جزءاً أصيلاً من التاريخ الذي ساهم في صناعة الأندلس نفسها.

وفي الطابقين المخصصين للعرض السمعي البصري، تتواصل الرحلة عبر سبعة عشر فيلماً وثائقياً تعرف الزوار بالقصبات والقصور والمخازن الجماعية المحصنة، وتقدم لمحات عن الموسيقى والرقصات والاحتفالات والعادات الاجتماعية التي ما تزال تنبض بالحياة في مختلف المناطق الأمازيغية. وبين الصور والأصوات والمشاهد، يشعر الزائر وكأنه ينتقل من جبال الأطلس إلى واحات الجنوب، ومن قرى الريف إلى مدن الأندلس التاريخية.
وخارج الفضاء، كانت غرناطة تواصل حياتها المعتادة. السياح يتجولون بين أزقة حي البيازين، وأصوات الموسيقى تتردد من الساحات المجاورة، فيما كانت الحمراء تضيف إلى ذاكرتها فصلاً جديداً من فصولها الطويلة. فبعد قرون من سقوط آخر ممالك الأندلس، يعود التراث الأمازيغي اليوم إلى هذا المكان لا باعتباره ذكرى من الماضي، بل باعتباره مكوناً حياً من مكونات الهوية المتوسطية المشتركة.
ويبدو أن الرسالة التي أراد منظمو المشروع إيصالها قد وصلت بوضوح: لا يمكن فهم تاريخ الأندلس كاملاً دون استحضار الدور الذي لعبه الأمازيغ في بنائه، كما لا يمكن الحديث عن التراث المغربي دون الاعتراف بامتداداته المتوسطية والأندلسية. ومن هذا المنطلق، يشكل الفضاء الأمازيغي الجديد بقصر الحمراء أكثر من مجرد متحف؛ إنه دعوة مفتوحة لإعادة اكتشاف تاريخ مشترك، ولإقامة حوار ثقافي متجدد بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
غرناطة – من مبعوث «زمان»












































