وراء برج محمد السادس، الذي غيّر ملامح الأفق بين الرباط وسلا، طموح حمله عثمان بنجلون، ومغامرة جماعية خاضها مهندسون وحرفيون وعمال. يستعيد وثائقي «برج محمد السادس: إرث المستقبل» حكاية هذا الورش، موثقا ما لا تكشفه واجهات المباني بعد اكتمالها.
حين يكتمل تشييد الصروح الكبرى، تختفي أوراشها من المشهد، وتتوارى معها وجوه الذين بنوها. يبقى اسم المعلمة وارتفاعها وصورتها، فيما تصبح تفاصيل إنجازها جزءا من ذاكرة لا يراها العابرون. من هذه المسافة بين البناية وحكايتها، يمكن الاقتراب من وثائقي «برج محمد السادس: إرث المستقبل»، الذي قُدّم عرضه الأول بالدار البيضاء يوم 2 نونبر.
في أصل الحكاية، يقف عثمان بنجلون، رئيس مجموعة «أو كابيتال»، وصاحب الرؤية التي حملت المشروع. فمع هذا البرج، اتخذ طموح رجل المال شكلا معماريا، وصار له حضور في المشهد اليومي لمدينتي الرباط وسلا. وعلى ارتفاع 250 مترا، تجسدت رغبة في ترك أثر يتجاوز النشاط الاقتصادي إلى المساهمة في رسم صورة المدينة. وهي علاقة قديمة في تاريخ العمران، حيث تلتقي إمكانات أصحاب المشاريع بطموحات المعماريين وخبرات البنائين.
ما وراء الواجهات
في 52 دقيقة، يعود الفيلم، الذي أنتجته دنيا بنجلون مزيان وأخرجه عبد الرحيم متور، إلى مراحل انتقال المشروع من التصور إلى الإنجاز. يمتد مساره من وضع الملك محمد السادس الحجر الأساس، في فاتح نونبر 2018، إلى تدشين ولي العهد الأمير مولاي الحسن البرج، في 13 أبريل 2026.
بين الموعدين، يتوقف الوثائقي عند زمن العمل الذي تختزله عادة صور الافتتاح. كيف تُترجم التصاميم إلى بناء؟ وكيف تتكامل اختصاصات متعددة داخل ورش بهذا الحجم؟ يمنح الفيلم الكلمة للمعماريين والمهندسين والمصممين والحرفيين والعمال والتقنيين، مستعيدا مساهماتهم في إنجاز أعلى برج بالمغرب.
ويخص الحضور النسائي في الورش باهتمام، مبرزا تنوع الكفاءات التي شاركت فيه. بذلك، تتوزع الحكاية على وجوه ومهن وتجارب، ويصبح المبنى حصيلة عمل جماعي، إلى جانب كونه تعبيرا عن رؤية صاحبه. وتوضح دنيا بنجلون مزيان أن غاية الشريط هي كشف كواليس المشروع والاحتفاء بالذكاء الجماعي والشغف اللذين حركا المشاركين فيه.
الحرفة والتكنولوجيا
تشغل التحديات التقنية حيزا من الوثائقي، من حلول البناء إلى الواجهة المزدوجة المزودة بألواح الطاقة الشمسية. غير أن إحدى زواياه الأهم تتمثل في اللقاء بين التقنيات الحديثة ومهارات الصناعة التقليدية المغربية.
لهذا اللقاء امتداد في تاريخ العمارة بالمغرب، حيث ظلت المباني مجالا لتداول الخبرات وتكييف المؤثرات وإعادة توظيف الموروث. ومن هذه الزاوية، يطرح البرج سؤالا يتجاوز مظهره: كيف تجد الحرفة مكانها داخل مشروع معاصر؟ وكيف يستمر الموروث عبر استعمالات جديدة؟
يتبنى «إرث المستقبل» نظرة احتفائية بالمشروع وأصحابه، ويقدمه بوصفه تعبيرا عن طموح مغربي وإفريقي. لكن قيمته التوثيقية تكمن أيضا في حفظ صور العمل وشهادات المشاركين فيه، قبل أن يطويها اكتمال البناء.
أما تحول الصرح إلى إرث، فتلك حكاية يكتبها الزمن. تصنعها صلته بالمدينة، واستعمالاته، والمكانة التي يحتلها في ذاكرة سكانها. على ضفتي أبي رقراق، حيث تتجاور معالم تختزن قرونا من التاريخ، أضاف البرج حضوره إلى المشهد. انتهى ورش تشييده، وبدأت حياته في المدينة.