في خضم الجدل حول حقيقة فتح الأندلس، تبرز قضية عبور طارق بن زياد وجيشه مضيق جبل طارق باعتبارها إحدى أكثر النقاط إثارة للنقاش. وبين الروايات التاريخية والشواهد البحرية، تتكشف معطيات تفتح بابًا لإعادة قراءة واحدة من أبرز محطات التاريخ الإسلامي.
يستغرب منكرو حدث فتح المسلمين للأندلس، لا سيما الإسبانيان الراحل “إغناسيو أولاغوي“ صاحب كتاب “العرب لم يغزوا أبدا إسبانيا“ الصادر سنة 1969، والمعاصر “إيميليو غونزاليس فرين“ صاحب كتاب “تاريخ عام للأندلس“ الذي أصدره سنة 2006، استغرابا شديدا حول قصة عبور طارق بن زياد مع سبعة آلاف من الجنود وأحصنتهم في قوارب صغيرة. ولا غرو في ذلك، إذ أن هذا الاستغراب معقول، فالأمر يتطلب سفنا لا قوارب صغيرة، إلا أنهم يغفلون عن الأسطول البحري الحقيقي الذي اعتُمِد في العبور بين الضفتين المتوسطيتين كما سنتبين. يستبعد “أولاغوي“ أن يكون الفاتحون المزعومون قد عبروا دون عون بحارة محليين متمرسين؛ ذلك أن «هذا الجزء من البحر هو من أخطر بحار الأرض». ولكي يعبروه، فهم بحاجة إلى ثلاثة وخمسين سَفْرَةٍ، على افتراض أنهم سبعة آلاف كما تحكي المصادر التاريخية في عبورهم الأول بقيادة طارق. وأخذا في الحسبان لعدد المراكب التي توفروا عليها، وهي أربعة كما تحكي ذات المصادر، مثلما يذكر المجهول صاحب “أخبار مجموعة“، يجزم كل من إغناسيو وإيميليو أن العبور كان بحاجة إلى أكثر من ثلاثة أشهر، إذا علمنا أن هذا النوع من المراكب يحتاج يوما كاملا لقطع المسافة الفاصلة بين الضفتين. وأخذا بعين الاعتبار أيام سوء الأحوال الجوية التي تتوقف فيها الرحلات، فمن المستبعد أن يتم عبور بحري بهذا الحجم، ليتم الاستنتاج التالي : «لكي يعبر رجال طارق…، كان من الضروري الاعتماد على مئة قارب على أقل تقدير. وفي تلك الفترة التي كانت تشهد تخلفا بحريا كبيرا، لم يكن من السهل توفيرها. كما أن البرابرة، للعلم، لم يكونوا يملكون أسطولا بحريا. فقط قوم بالجوار من مثل أبناء مدينة قادش، كان بإمكانهم القيام بمحاولة العبور».
يونس المرابط
المقال الكامل من العدد 155/154 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية












































