انتقل المغرب لتحقيق وحدته، على امتداد خمسين عاما، من مرحلة الاسترجاع الميداني إلى مرحلة البناء المؤسساتي والاقتصادي، وصولا إلى مرحلة الحسم الدبلوماسي وفرض مقترحه الواقعي الوحيد.
نهج المغرب، منذ انطلاق مسيرته لتحرير أراضيه الجنوبية وتوحيد أواصر المملكة، عدة وسائل متاحة: عبر سلاح المقاومة وسلاح الدبلوماسية الدولية .لكنه كان سباقا منذ سنة 1975 إلى اعتماد العقيدة السلمية في مواجهة التحديات الاستعمارية .ففي خطابه التاريخي، لم يراهن الملك الحسن الثاني على القوة العسكرية فحسب، بل راهن على «سلاح الإيمان والتعبئة الروحية»، موجها المتطوعين إلى التعامل الحضاري مع الآخر، حتى وإن كان مستعمرا. هذا التوجه أسس لشرعية قانونية وأخلاقية للمغرب، حيث تم استرجاع الأرض دون إراقة دماء، معلنا بداية مسار الوحدة الترابية. وفي عهد الملك محمد السادس، لم يكتف الجالس على العرش بخارطة طريق والده فحسب، بل وضع الحجر الأساس لجعل الوحدة تجسيدا واقعيا .ومن أجل ذلك اعتمد على مسارين: السياسي والتنموي؛ ففي سنة 2007 وبعد سنوات من الجمود الدولي لمقترحات مجلس الأمن، قدم المغرب إلى العالم تصورا جديدا عبر ما يسمى “مبادرة الحكم الذاتي“، وهي مبادرة واقعية لبناء الثقة مع باقي الأطراف المتعلقة بملف الصحراء. ولم تكن هذه المبادرة مجرد تنازل، بل مبادرة تهدف إلى إيجاد حل سياسي توافقي «لا غالب فيه ولا مغلوب» .اقترح المغرب نظاما يتيح لسكان الصحراء تدبير شؤونهم ديمقراطيا عبر برلمان وحكومة محليين، مع احتفاظ الدولة برموز السيادة (الدفاع، الخارجية، العملة) .لكن لكي لا يظل الحل السياسي حبرا على ورق، وضع المغرب أيضا سنة 2013 نموذجا تنمويا للأقاليم الجنوبية، يقطع مع اقتصاد الريع ويؤسس لتنمية مستدامة تضمن العيش الكريم وتجعل المنطقة قطباً للربط بين أوروبا وإفريقيا .هذا الترابط بين السياسي والاقتصادي عزز مصداقية الطرح المغربي دوليا. وبعد صبر وتأنٍ طويل، ومجهود دبلوماسي وإشعاعي، جاءت لحظة الحسم في 31 أكتوبر ،2025 إذ مع اعتراف الأمم المتحدة بسيادة المغرب على صحرائه وقبول مقترح الحكم الذاتي، يكون المغرب قد انتقل من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير والحسم .ولهذا أعلن الملك أن يوم 31 أكتوبر هو يوم وطني، وأطلق عليه اسم “عيد الوحدة“، بما تحمله من دلالات وإحالات على الوحدة الوطنية والترابية الراسخة للمملكة .ولتأكيد عظمة الحدث، سيشهد هذا اليوم من كل سنة احتفالات لتخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، دون توجيه خطاب ملكي للأمة؛ إذ ستقتصر الخطابات الملكية على مناسبتين رسميتين، الأولى من خلال خطاب عيد العرش، والثانية بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية، مع إمكانية إضافة خطاب آخر حسب ما يرتئيه عاهل البلاد وقتما تقتضيه الظروف .كما أعلن الملك عن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي لتكون جاهزة للتطبيق. ولإنجاح “مشروع الوحدة“ الذي طالما حلم به الجميع، تم إشراك الأحزاب السياسية لبلورة تصور متكامل ومحين للمبادرة في إطار السيادة الوطنية. إن الخيط الناظم لملف الصحراء المغربية، هو ثبات “العقيدة الوحدوية والسلمية“؛ فالمغرب الذي مد يده للسلم في ،1975 يمدها اليوم للمصالحة في ،2025 بحيث دعا الملك ساكنة المخيمات: «لاغتنام هذه الفرصة التاريخية، لجمع الشمل مع أهلهم، وما يتيحه الحكم الذاتي، للمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية، وفي تنمية وطنهم، وبناء مستقبلهم، في إطار المغرب الموحد».












































