قدمت الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري برنامجها تحت قبة البرلمان، معلنة عن جملة من المشاريع والتدابير. لكن، ما نصيب الثقافة خلال السنوات الخمس المقبلة؟
تراهن الحكومة الجديدة على مجموعة من التعديلات التي تندرج ضمن أولوياتها في أفق السنوات الخمس من ولايتها. ورغم أن قطاع الثقافة يحظى –في معظم الحكومات– باهتمام وميزانية أقل مقارنة بقطاعات أخرى ذات أولوية قصوى، فإن البرنامج الحكومي وضع الثقافة –على الأقل– في صدارة الأولويات التنموية .ويبرز هذا التوجه الجديد في تحويل الثقافة من مجرد قطاع استهلاكي إلى محرك اقتصادي، من خلال بناء صناعة يبدو أنها تقوم على تشجيع الاستثمار في الثقافة. ومن خلال تصفح البرنامج الممتد ما بين 2027 و2031، وكذلك وثيقة مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، يتبين أن الحكومة تتبنى رؤية لا تفصل الثقافة عن التراث؛ حيث سيتم تعزيز دور الثقافة لترسيخ الهوية الوطنية ومنظومة القيم، وبالتوازي مع ذلك، صون التراث الثقافي الوطني وتثمينه بشقيه المادي واللامادي. وتعتزم حكومة المنصوري تعزيز إشعاع التراث والثقافة على المستوى الدولي، وتوظيفهما كقوة ناعمة تخدم الحضور الثقافي والجيوسياسي للمغرب .ولتحقيق ذلك، تعتمد الحكومة مسارا للتوثيق والتسجيل والترميم في ما يخص مشاريع كبرى، أهمها مركز حماية الموقع الأثري لسجلماسة، الذي كلف 349 مليون درهم، والمقرر افتتاحه سنة ،2027 ومواصلة أشغال المتحف الوطني للآثار وعلوم الأرض بالرباط، فضلا عن ترميم معالم تاريخية، كقصبة الأوداية ومدينة تازة وقصبة شفشاون. كما سيتم إعداد خريطة وطنية للمخاطر الطبيعية التي تهدد المواقع والمعالم التاريخية. وبالموازاة، يظهر جليا أن السياسة الثقافية للحكومة تحمل أبعادا اقتصادية، إذ ستتقاطع مع سياسات التنمية الترابية والسياحة والشباب والتشغيل، بما يجعل الثقافة رافدا لخلق الأنشطة الاقتصادية وفرص الشغل على المستوى المحلي. تركز رؤية الحكومة، أيضا، على العدالة المجالية والبنيات التحتية، وعلى توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات والأنشطة الثقافية وضمان الإنصاف في الولوج إليها، عبر المسارح ودور الثقافة والمكتبات والمعاهد الموسيقية ومراكز تفسير التراث .وقد رُصدت اعتمادات مالية لتقريب الخدمات الثقافية من المواطنين خارج الحواضر الكبرى، ويتجلى ذلك في بناء وتأهيل شبكة من المراكز الثقافية والمسارح في مناطق متعددة، كإعادة تأهيل المجال الثقافي بجهة بني ملال–خنيفرة وبإقليم تارودانت، وإحداث مركز ثقافي بآسا وآخر بإقليم الفحص أنجرة. وبخصوص الصناعات الثقافية، تعتزم الحكومة تقديم دعم مباشر للمبدعين والفاعلين الثقافيين والمقاولات لتحسين ظروفهم الاقتصادية والمهنية، مع إيلاء عناية خاصة لمواكبة الشباب ودعم إنتاج وترويج المحتوى الثقافي والرقمي المغربي.
من جهة أخرى، يولي البرنامج أهمية بالغة لصيانة الذاكرة التاريخية المغربية، وذلك من خلال تشييد فضاءات للذاكرة لتشمل 125 فضاء بحلول ،2030 منها سبعة فضاءات في العام المقبل، وكذلك استرجاع مئات الآلاف من الوثائق الأرشيفية من الخارج، لبلوغ 6 ملايين وثيقة. ويأتي هذا إلى جانب رقمنة الأرشيف المسترجع ليكون متاحا لعموم الباحثين، بالإضافة إلى رفع رصيد النشر إلى 1600 عنوان في أفق سنة .2030 في المحصلة، يبدو أن القائمين على قطاع الثقافة في السنوات الأخيرة، وفي الحكومة الجديدة كذلك، أضحوا يمزجون بشكل وثيق بين الشأن الثقافي ومجال التراث والسياحة المرتبطة بالمواقع الأثرية. وإن كان الأمر محمودا ولا يمكن إنكاره، إلا أنه وجب التذكير بأن الجمع بين المجالين، أي مجال الكتاب والفنون ومجال التراث، لم يتعدَّ صفحتين من بين 134 صفحة في البرنامج الحكومي المخصص للسنوات الخمس المقبلة.














































