بعد وفاة السلطان المولى اليزيد، واجه مولاي سليمان صراعًا حادًا على شرعية الحكم. ثلاث بيعات متنافسة وفتاوى متباينة وأزمة أسس انعقاد البيعة وضعت السلطة الجديدة تحت ضغط سياسي وفقهي استمر لعقد من الزمن قبل تثبيت حكمه.
بويع الأمير مولاي سليمان، سلطانا على البلاد، في يوم 18 رجب 1206هـ/ 11 مارس 1792م، بعد حوالي شهر من وفاة أخيه السلطان المولى اليزيد بمراكش .ويبدو من خلال نص البيعة التي وقعها علماء فاس، أنها كانت مستوفية لكل الشروط والعناصر والمكونات، ولا يشوب مشروعيتها أية عيوب، لا في شكلها ولا في مضمونها، إذ أن صاحبها مؤهل، وكانت بيعة خاصة وعامة .غير أن هذه البيعة واجهتها عدة تحديات وصعوبات، ولعل أهمها هو وجود بيعات متعددة، ووجود مشروعيات متصارعة ومنافسة لمشروعية السلطان بشدة، جعلت صاحبها، ولعقد من الزمن تقريبا، يعاني من أزمة مست أحيانا جانبا من جوانب مشروعية بيعته، وشرعية وجوده في الحكم واستمراره فيه، فما هي طبيعة الأزمة التي عانت منها بيعة السلطان، هل كانت أزمة أسس وقواعد انبنت عليها؟
انعقدت البيعة للأمير مولاي سليمان لما لمسه فيه مبايعوه من كفاءة واقتدار، حيث كانت له من المؤهلات ما جعله مرشحا من الخاصة والعامة. فمن حيث المؤهلات والكفاءات، يشير نص البيعة إلى أن من الأسباب التي جعلت مبايعيه يرشحونه هو أن الأمير «نشأ في عفة وصيانة، ومروءة وتدين، وعكوف على تحصيل العلم الشريف» .ثم إنهم «اختاروه على الإخوة الكبار لما عرفوه من دينه وورعه وعقله». وعرف عنه اشتغاله بالعلم والعكوف عليه بسجلماسة وغيرها، مستثمرا جل وقته وجهده في الدراسة وتحصيل العلوم الدينية. وفضلا عن هذا، كان من أقرب الناس إلى والده المولى محمد بن عبد لله مقارنة مع باقي أولاده .ثم إنه نشأ نشأة حسنة طيبة.
أما الجهة التي رشحت مولاي سليمان، فقد كان لها اعتبارها ورمزيتها، إذ تم له الأمر بعد حصول اتفاق بين العبيد والودايا والبربر وأهل فاس على بيعته، فدخلوا ضريح المولى إدريس وبايعوه، كما انضم إليهم الخاصة من الأشراف والأعيان والوجهاء بفاس ومكناسة. وقد تولى الفقهاء صياغة نص البيعة .أما المرحلة الأخيرة من مراحل انعقاد بيعته، فتمثلت في توالي البيعات من القبائل والعامة ومن مناطق مختلفة .وتفيد مصادر كثيرة بأن قبائل مختلفة من العرب والأمازيغ قدمت عليه، وتوالت في دخولها في طاعته ومبايعتها له. ومع كل ما تحقق للسلطان مولاي سليمان في بيعته، فإن السياق العام الذي تمت فيه، اتسم بالانقسام السياسي وبتعدد بيعات وصراع مشروعيات.
عبد القادر أيت الغازي
تتمة المقال تجدونها في العدد 150 من مجلتكم «زمان»















































