وجدت إمارة برغواطة، التي دامت أزيد من ثلاثة قرون، نفسها محاطة بأعداء محليين، مما اضطرها إلى مهاجمة القبائل المجاورة لإخضاعها، ثم صاغت ديانتها الخاصة بهدف توظيف البعد العقائدي بوصفه “عنصرا من عناصر الدعاية والاستنهاض”.
لا تفتأ الدراسات التي خاضت في موضوع برغواطة، تردد، عن صدق، لازمة قلة مصادر الموضوع من بداية المشروع البرغواطي إلى نهايته، واضطراب معطياتها من جهة، وكتابتها من قبل أعدائهم، سنيّي المذهب الذين يبدو أنهم سعوا إلى تشويه معالمها أو طمسها من جهة أخرى، مقابل غياب المصادر التي كتبها البرغواطيون أنفسهم. وفي ظل هذه القلة، يلاحظ أن الإخباريين والجغرافيين أولوا اهتمامهم أكثر لتدين برغواطة، انطلاقاً من اختلافهم العقدي، أكثر من تسليطهم الضوء على تاريخهم السياسي. ويزداد الأمر صعوبة بالنظر إلى ندرة الأبحاث الأثرية ذات الصلة، بما يجعل رسم لوحة واضحة المعالم عن برغواطة أمرا عصيا. من المهم الإشارة إلى السياق التاريخي الذي نشأ فيه المشروع السياسي البرغواطي، فقد حدث ذلك في مرحلة مخاض، مع اندفاع العرب المسلمين نحو بلاد المغرب، ونشرهم لمبادئ الإسلام، ونشوء حركات مناهضة لسوء تدبير الخلافة الأموية شؤون الرعية في بلاد المغرب، سواء أكانت هذه الحركات ذات طابع محلي أم بقيادة فارين من المشرق خاصة حركات الخوارج الذين قدموا إلى بلاد المغرب لبعدها عن مركز الخلافة الأموية في المشرق، وشرعوا في نشر تعاليمهم بين البربر. وقبل تأسيس إمارة برغواطة، كان مؤسسها أبو صالح طريف منخرطا في ثورة البربر التي قادها ميسرة المطغري سنة 122هـ/ 740م في شمال المغرب، باسم المذهب الخارجي الصفري المناهض للسياسة التعسفية للخلافة الأموية في المشرق ضد البربر، وهي السياسة التي برزت منذ أن عين الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ( 105-125هـ/ 724-743م) عبد لله بن الحباب على القيروان، وعمر بن عبدا لله المرادي على طنجة وما يليها من المغرب الأقصى، وإسناد ولاية السوس الأقصى بما في ذلك منطقة تامسنا إلى ولده إسماعيل. إلا أن فشل هذه الثورة، أسفر عن انفراط عقد الحلف البربري، وتشكيك طريف، الذي اختار التوجه إلى بلاد تامسنا وتأسيس إمارة برغواطة في هذا التاريخ أو سنتين بعد ذلك، في مدى إمكانية تبني المذهب الخارجي كأداة موحدة للبربر، وتفكيره في مذهب آخر يحقق ذلك الهدف. ويرجح أن المذهب الشيعي، الذي كان أصحابه يعادون الخلافة الأموية، شكل لديه أفقا لتحقيق غايته. في كل الأحوال، كان طريف، ومن ثمّ المشروع البرغواطي، منخرطا عند نشأته في منظومة المسلمين، قبل التفكير في الانزياح عنها، والتفرد بتوجه خاص مؤطر لمقاومتهم.
محمد ياسر الهلالي
تتمة المقال تجدونها في العدد 146 من مجلتكم «زمان»












































