لم تكن السلطة في المغرب التقليدي سلطة جالسة، بل كانت سلطة تسير على الأقدام والدواب، تعبر الجبال والوديان، وتحل في القبائل والأسواق والمراعي. فقد اختار المخزن المغربي منذ قرون أن يحكم من قلب المجال، لا من خلف أسوار القصور فقط. ولأجل ذلك، ظهرت أدوات سيادية ميدانية جمعت بين السياسة والعسكر والدين، هي : المحلة و”لْحَرْكَة” والتجريدة.
هذه الأدوات التي كثيرا ما تتكرر ذكرها في المصادر التاريخية، ليست متطابقة في المعنى، ولا في الغاية. فالمحلة لم تكن مجرد قافلة سلطانية، بل كانت الدولة نفسها وهي تنتقل بين القبائل، بما تحمله من دواوين وجنود وظهائر .أما “لْحَرْكَة“ فهي تحرك سيادي محدود، يُنجز لمهام خاصة، منها جمع الضرائب أو إصلاح ذات البين. في حين كانت التجريدة وجها صريحا للعنف المخزني، إذ ترسل لقمع التمرد وفرض الطاعة حين لا تنفع الوساطة. فما هي حقيقة هذه المفاهيم في التجربة المغربية؟ وما هي الوظائف التي أدتها المحلة في بسط هيبة السلطان؟ وكيف اختلفت عنها “لْحَرْكَة“ من حيث الشكل والمضمون؟ ثم ماذا عن الدور الذي كانت تنهض به التجريدة؟ ولماذا اقترنت في الذاكرة الجماعية بالقمع واستعمال القوة؟ وهل كانت هذه الوسائل تُستخدم بشكل تكاملي، أم أن لكل واحدة منها سياقًا خاصًا يجعلها خيارًا دون سواها؟ يقصد المغاربة في الأدبيات التاريخية بالمصطلح السلطاني “المَحَلَّة“ ذلك الكيان المتنقّل الذي يجمع بين الطابع العسكري والإداري والديني، ويتقدّمه السلطان بنفسه في الغالب، أو أحد كبار ولاته، ويجوب به البلاد لممارسة الحكم في الميدان. لم تكن المحلة مجرد جيش متنقل أو موكب سلطاني احتفالي، بل كانت شكلا فعليا للدولة وهي تتحرك، تحمل معها دواوينها وكتابها وقضاتها وجنودها وبيت مالها، وتمارس مختلف صلاحياتها التنفيذية في قلب المجال القبلي. وبقدر ما كانت المحلة أداة للضبط والجباية، كانت كذلك تجسيدًا حيًا لهيبة المخزن وسيادته. وقد تطور هذا الجهاز المتنقل مع الزمن، فظهر بشكل أولي في فترات مبكرة، ثم تعززت وظائفه مع المرينيين، وتبلور في صيغته الكاملة خلال العصر العلوي، وبلغ ذروته في عهد السلطان مولاي الحسن الأول (1873–1894)، الذي استخدم المحلات بشكل منتظم لاستعادة السيطرة على الجهات البعيدة، خاصة في الجنوب والجنوب الشرقي…
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 143/142 من مجلتكم «زمان»












































