تحتفظ ذاكرة زاوية سيدي احماد أوموسى بالكثير من الوقائع التي تداخل فيها ما هو تاريخي بما هو خرافي، غير أن شخصية الشيخ المؤسس، منذ نشأته وتدرجه في سلوك طريق التصوف، قد جعلت من زاويته، بما اضطلعت به من أدوار دينية واجتماعية وسياسية، مزارًا لأطياف متعددة من المريدين. وما تزال، إلى اليوم، تحظى بمكانة معتبرة في بلاد سوس.
تقبع بلدة بومروان بمحاذاة الطريق التي تصل تزنيت بتافراوت. فبعد عبور مرتفع كردوس، تطالعنا أراضي “إداوسملال“، ويواصل ذلك المسلك انحداره وتعرجاته إلى أن يصل إلى ما يعرف بـ“ضريح للاتعزى تاسملالت“، وتمتد على مرمى البصر من هناك بعض القرى، ومن بينها قرية “بومروان“، التي تمثل إحدى فروع قبيلة “إداوسملال“ التي تعتبر من بين أشهر الأماكن الروحية التي تهفو إليها نفوس كافة سكان الجنوب المغربي، حيث برز فيها عدد من الأولياء والمتصوفة من أمثال امحمد بن سليمان الجزولي صاحب “دلائل الخيرات“، وأبا بكر بن سليمان وغيرهما. في هذه البيئة المفعمة بالولاء والصلاح، رأى احماد أوموسى النور سنة 853هـ/ 1449م في أحضان قبيلة إداوسملال، من أبوين اعتبرا من عامة الناس، فنشأ الصبي نشأة لم تكن تنبئ بما سيؤول إليه أمره فيما بعد، حيث تعلم القرآن، شأن أترابه في كتاب صغير يعرف بـ“أخربيش“، غير أنه كان منجذبا للهو واللعب، مع اعتياده، حسب ما يُحكى عنه، على حمل “ألون“ أي “البندير” (الدف) بشكل دائم للضرب عليه، كما أنه كان يشارك أقرانه شقاوتهم في عمليات إفساد الغلل الفلاحية، وتخريب بعض المرافق، وقد ذهب البعض أن الوفاة المبكرة لوالده جعلته ينغمس في هذا النوع من السلوكات والممارسات، التي صنفته ضمن الأطفال المشاغبين الأشقياء. تغيرت حياة الفتى بشكل مفاجئ، مما جعل رفاقه يندهشون مما وقع له، وسبب ذلك أن شيخا كبيرا وَهَن جسمه بفعل التقدم في السن، عجز عن حمل قفته التي وضع فيها بعض الفواكه، فطلب من الصبي أحمد أوموسى أن يساعده في إيصالها إلى منزله، وكان أقرانه ينتظرون منه رد فعل من جنس سلوكه المعهود عليه، وأنه سيستهزئ بالعجوز، وقد يصل به الأمر إلى بعثرة وإتلاف ما بقفته من متاع، غير أن الفتى استجاب لطلب الشيخ وحمل القفة بانقياد تام، وتبعه إلى أن أوصلها إلى منزله، فدعا له بالخير نظير ما صنعه من معروف، وكان هذا الرجل وليا صالحا مستجاب الدعاء وفق الرواية المتداولة. وبعد هذه الواقعة، ودائما وفق تلك الرواية، انقلبت طفولة الصبي أحمد من حياة مفعمة باللهو واللعب، وما يرافق ذلك من شقاوة، مبالغ فيها أحيانا، إلى حالة من الذهول التام، حيث غشيه هدوء مطبق، وتأمل دائم وصمت يكاد يكون عادة يومية دأب عليها ولم يستطع التخلص منها، وقد علقت هذه الحكاية في ذاكرة الناس، لأنها تواترت بينهم كمنظومة مغناة، أو كحكاية مروية في مختلف التجمعات. أما بالنسبة للرجل العجوز، فَقُدمت في شأن هويته روايات متضاربة، بعضها ذهب أنه الشيخ إبراهيم بن علي جفين “إيمولا“، وبعضها الآخر ذهب أنه الشيخ محمد الوجاني، دفين “وجان“ بإداوسملال.
عبد المالك ناصري
تتمة المقال تجدونها في العدد 143/142 من مجلتكم «زمان»












































