كثير من المبادئ التي يُروَّج لها هي من قبيل حق يُراد به باطل، كما حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، من دون الأخذ بالسياقات، أو بما يسميه أحد كبار الجيوستراتيجيين الفرنسيين، توماس غومار (Thomas Gomart) ، بـ“الطموحات غير المعلنة” (Les ambitions inavouées). نعرف في أي منحى يتم توظيف حق الشعوب في تقرير مصيرها في منطقتنا؛ إذ يُراد باسمه أن يُقتطع من ترابنا وتاريخنا، وأن يُقزَّم بلدنا. لا يمكن أن نجادل في حق الشعوب في تقرير مصيرها، شريطة أن تكون شعوباً فعلًا، أما أن تعلن جماعة ذات مرجعية إيديولوجية، ومرتهنة لدولة أجنبية، أنها شعب، فلا يمكن قبول ذلك، لأنه تدليس وغبن، كما يقول فقهاء القانون المدني.
ليس هناك شعب صحراوي، وإنما ساكنة صحراوية، وهذه الساكنة، بحكم نمط عيشها، ليست محصورة فيما كان التقطيع الاستعماري يسميه بـ“الصحراء الإسبانية“، أي الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهذه الخصوصية تمتد من وادي نول إلى تاكانت وشنقيط وأدرار وتكانت وترارزة، أي ما يسمى بتراب البيضان .ومن التجني الحديث عن شعب داخل رقعة ناجمة عن تقطيع استعماري.
لكن، هل يمكن أن يُجادل عارف بالمنطقة وتاريخها وخصوصيتها في أن الطوارق شعب، لهم هوية خاصة، ومتواجدون في رقعة شاسعة، وأن هذا الشعب غير محصور في خريطة رسمها ضباط الاستعمار؟ لقد نجم عن هذا التقطيع أوضاع مأساوية في دول عدة.
العقلانية تفرض التعامل ببراغماتية مع الحدود الموروثة عن الاستعمار، والتي، بالمناسبة، تحفّظ عليها المغرب في أديس أبابا منذ أول اجتماع لمنظمة الوحدة الإفريقية سنة .1963 فمن منطلق المبادئ، يتوجب احترام الوحدة الترابية لبلد شقيق، ولكن لا يمكن، من حيث التاريخ والوجدان، أن نكون، بصفتنا مغاربة، لامبالين تجاه ما تعرض له التاركيون أو الطوارق من عسف وطمس لهويتهم. ومن الحيف أن يُختزل الطوارق في تنظيم، وبالأحرى إذا كان حاملاً للتطرف، وليس أقل حيفاً أن يُؤخذ الطوارق بجريرة تنظيم معين.
لدينا وشائج تاريخية وإنسانية ووجدانية مع الطوارق، كما ورد في الملف الذي تعرضه مجلة “زمان“ في هذا العدد. فالطوارق جزء من مجموعة صنهاجة التي تؤلف قسطاً كبيراً من ساكنتنا، وتربطنا بها وشائج إنسانية وتاريخية وحضارية. ويعرف الطوارق، أكثر من غيرهم، أن الملكة تين هينان نزحت من تافيلالت إلى حيث الطوارق بجبال الهقار .لا يمكن أن نكون لامبالين حيال الطوارق وما يتعرضون له، وأكثر من ذلك أن يقعوا فريسة لتنظيمات متشددة بدافع اليأس والتجاهل .ونتذكر كيف هبّ الأتراك لنصرة الأذربيجانيين (أو الآذريين، على الأصح)، واعتبروا أنهم والأذربيجانيين شعب واحد في دولتين.
ندرك، طبعاً، قوالب المؤسسات الرسمية ومرجعياتها، ولا ندعم الانفصال في أي بلد، ولكن لا يمكن أن نصمت على ما يعرفه الطوارق، وما يتعرضون له من تجاهل منذ الاستقلالات، ومن محاولة اختطاف، مع استشراء التنظيمات المتطرفة .المغرب مجتمع حي، وندرك منطق الدولة، وعلى الدولة أن تدرك منطق المجتمع.
وبنفس الالتزام والوعي، لا يمكن أن نصمت على ما تعرض له أصحاب شاحنات مغربية من أعمال عدوانية، من قصف وتحريق وإتلاف للبضائع في إقليم أزواد، ولا على التشهير الذي تعرضوا له. إن عملاً تخريبياً مثل ذلك يمس المغاربة قاطبة، ولا يمكن الصمت عنه، وعلى من اجترحوه أن يقدموا الاعتذار عن هذا العمل الذي يسيء إليهم قبل غيرهم.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































