رافق الزوج جند السلطان الأحكل إلى الأندلس، وظلت صفية في فاس. لم يعد الزوج أبدا، وجاءت بعد 7 سنين بولد قيل عنه “راگد”. ثم أصبحت حديث أهل المدينة وفقهائها، قبل أن يبرئها القاضي.
اقترب وقت العشي في دروب فاس قبل الأوان. ظلال ثقيلة تطارد ما تبقى من أشعة آخر النهار، ورياح باردة تركض في الأزقة الملتوية، تضرب الأبواب والنوافذ، وتخترق الزحام محدثة جلبة وسط المارة والباعة والفضوليين الذين يقضون وقت عصرهم بين حوانيت القيسارية والأزقة المحيطة بها. كانت صفية تجلس على نتوء يشبه الدكة في زقاق العطارين ترقب نهاية حديث أمها وصديقتها العجوز مع أحد العطارين، وقد التقت عيناها بعينين ترصدها فأشاحت بهما نحو السماء، وشرعت تتحسس خمارها بحركات متكررة ثم أحكمت قبضتها على الحايك الذي يغطي جسدها، وجمعت ركبتيها على أطرافه السفلى مخافة أن تفاجئها الريح فتفضحها. نظرَتْ نحو السحب الرمادية الكثيفة وتساءَلَت: «كيف تحضر هكذا مسرعة بعد غياب طويل، كما لو أن وليا من أولياء المدينة استدعاها على عجل؟». ثم قالت في نفسها: «عساها تمطر، فأغسل نفسي المجلّلة بالخزي والمهانة…».
فاس، رجب 748هـ/ أكتوبر 1347م
ضغطت الأم على يد صفية تستعجل خطواتها الراكدة، وهما تخرجان من زقاق العطارين بعد أن سلّمها العشاب اللعين مراهم ومعاجين، قال إنها مؤلفة من جدر الكرنب والقرفة والشب، وأخرى من القطران والفلفل، يبدو أنه أعدها في بيته خصيصا لأمثال صفية. كانت الوقدة تشتعل أكثر وأكثر في أحشائها، ولا تكاد تتوقف عن تحسس الألم الجاثم أسفل صدرها، وهي تعبر في صمت تلك الأزقة التي يحكمها الرجال. وقد انتهزت وقوف أمها لتوديع صديقتها لتعالج أنفاسها المتقطعة والحزن الذي أثقل بطنها.
حميد تيتاو
تتمة المقال تجدونها في العدد 67 من مجلتكم «زمان»














































