كيف وجدت فكرة الخوارج طريقها إلى أرض بعيدة عن منبتها؟ وما الذي جعل مناطق شمال المغرب أرضا مهيأة لتلقيها؟ وكيف تحوّل الجدل حول العدالة في الحكم إلى حركة مسلحة، ثم إلى ذكرى لم تترك وراءها دولة ولا نظاما قائما؟
منذ أن تفرّقت الجماعة الأولى في المشرق بعد ظهور الإسلام، ظلّ السؤال عن العدل في الحكم ومعيار الاستحقاق في القيادة حاضرا في وجدان المسلمين، خاصة مع ظهور من عرفوا تاريخيا باسم “الخوارج“، الذين رأوا أن الإمامة لا تورث بنسب ولا تستمدّ من قبيلة، بل تمنح لمن يقوم بأعبائها ويعدل بين الناس، مطالبين بإعادة النظر في أسس السلطة ومعناها .وقد كان خطابهم في بداياته رفضا لامتيازات النسب وسعيا إلى تصور يجعل السلطة أقرب إلى العدل والمساواة. وعندما بلغت أصداء هذا الجدل تخوم المغرب الأقصى، كانت القبائل البربرية قد شرعت تتلمس دروب الإسلام رويدا رويدا، لكنها ظلت تدبّر معاشها بعرفها، وتحتكم إلى شيوخها وأهل التجربة فيها فيما كانت السلطة تدار من القيروان، حيث تحدّد الضرائب وترسل الأوامر وتستدعى الطاعة، وهو ما أظهر تفاوتا بين ما تراه الدولة حقا لها، وما تراه القبائل حقا للجماعة، مما جعل فكرة “الخوارج“ تتسرب إلى شمال المغرب، لكنها لبست لبوسا محليا، تعبّر عن واقع القبيلة أكثر مما تعبّر عن فكرة العقيدة. كانت بلاد المغرب مطلع القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي تابعة للخلافة في المشرق، التي اتخذت من القيروان مركزا لها، وكان الوالي هو الذي يشرف على الجباية، ويُنسّق الحاميات، ويرسل من يمثله في المدن الكبرى. أمّا حياة الناس داخل المناطق القبلية، فكانت تدار وفق أعراف مستقرة لا تحتاج إلى حضور دائم للسلطة المركزية، إذ كانت القيروان تمسك الخطوط الكبرى للحكم، بينما تظل تفاصيل العيش اليومي بيد الجماعات المحلية.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 146 من مجلتكم «زمان»












































