تشكّل المخزن في العصر العلوي من خلال توظيف الشرعية الدينية لإعادة بناء الدولة، قبل أن ينكشف حدود النموذج المخزني أمام الأزمات الداخلية والضغط الأوروبي في القرن التاسع عشر.
لم يكن قيام الدولة العلوية في منتصف القرن السابع عشر حدثًا سياسيًا معزولًا، بل شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الدولة المغربية، جاءت في سياق اتسم بتفكك السلطة المركزية وتعدد مراكز القوة، عقب تراجع الدولة السعدية ودخول الجهاز المخزني مرحلة من الضعف والانقسام. فقد وجد العلويون أنفسهم أمام مجال سياسي واجتماعي هش، تتنازع فيه الولاءات القبلية والجهوية، وتتنافس فيه الزوايا والقوى المحلية على النفوذ، ما جعل إعادة بناء السلطة المركزية ضرورة تاريخية لا مجرد خيار سياسي. لم يكن التحدي المطروح هو الاستيلاء على الحكم فقط، بل بناء سلطة قادرة على الاستمرار، وضبط التعدد، وإدارة التوازنات المعقدة التي ميّزت المجتمع المغربي عبر تاريخه. ويشير المفكر والمؤرخ عبد لله العروي إلى أن الدولة في المغرب لم تُبنَ وفق نموذج جاهز، بل تشكّلت عبر مسار طويل من التراكم، تداخلت فيه الشرعية الدينية مع متطلبات الحكم، وفرضت فيه الجغرافيا والبنيات الاجتماعية إكراهاتها على السلطة. أدّى ضعف السعديين في مراحلهم الأخيرة إلى تفكك المخزن وتراجع قدرة الدولة على فرض نفوذها خارج بعض الحواضر الكبرى، ما فتح المجال أمام بروز الزوايا كقوى اجتماعية وسياسية مؤثرة، وتنامي نفوذ القبائل، وظهور سلطات محلية تنافس الدولة على التحكم في المجال .ويؤكد المؤرخ جرمان عياش أن المغرب عاش خلال هذه المرحلة حالة قريبة من “اللا–دولة“، حيث غابت سلطة جامعة قادرة على فرض النظام وضمان الاستقرار. ويرى عدد من المؤرخين أن نجاح العلويين في فرض أنفسهم يعود، في جزء كبير منه، إلى قدرتهم على استثمار هذا الفراغ السياسي، وتقديم أنفسهم كقوة جامعة قادرة على إعادة الحد الأدنى من النظام، مستفيدين من إرهاق المجتمع بالصراعات، ومن توقه إلى الاستقرار .وقد ساعدهم في ذلك استنادهم إلى شرعية النسب الشريف، التي منحتهم رأسمالًا رمزيًا مهمًا داخل مجتمع يولي مكانة خاصة للشرعية الدينية.
محمد يزيدي
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































