عرف المغرب زمن الحماية مقاربات متباينة لتنظيم الدعارة، تراوحت بين تشريعات زجرية صارمة ورؤى ثقافية وأنثروبولوجية مختلفة. وقد تداخل فيها البعد القانوني مع التصورات الاجتماعية والدينية، مما أسهم في تشكيل فهم مركب ومعقد لهذه الظاهرة.
عرف المجتمع المغربي خلال فترة الاستعمار الفرنسي تحولات عدة، تجلّت في خروج المرأة إلى سوق العمل، سواء في مجال الفلاحة أو الصناعة أو حتى الخدمات، بالإضافة إلى التغيرات التي طرأت على لباس المرأة العاملة متجاوزة بذلك النمط التقليدي .وهذه التحولات، على مظهرها البديهي اليوم، لم تكن كذلك آنذاك لاعتبارات متعددة، منها ما هو مرتبط بالإرث التاريخي، ومنها ما يتصل بطبيعة المجتمع المغربي وذهنيته. وقد كان لتعليم المرأة دور مهم في تجاوز العديد من العادات القديمة، وفي تغيير محيطها الأسري والمهني. وقد أفرزت هذه التحولات الاجتماعية والاقتصادية، التي عرفها المغرب، عدداً من الظواهر الجديدة التي مست البنية المجتمعية والقيم السائدة، ومن بينها ظاهرة الدعارة، التي ارتبط انتشارها بمجموعة من العوامل، منها التوسع الحضري، وتواجد المعسكرات الفرنسية، والهجرة نحو المدن، إضافة إلى هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لفئات واسعة من النساء. في سياق التحولات الاجتماعية التي مست البنية التقليدية للمجتمع المغربي، برزت المرأة باعتبارها عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل الأدوار الاجتماعية والاقتصادية .وقد أسهم خروجها إلى فضاءات العمل وتزايد ولوجها إلى التعليم في تغيير موقعها داخل الأسرة والمجتمع. غير أن هذا الانفتاح لم يكن أحادي الأثر، بل أفرز تفاوتات اجتماعية متعددة واضحة بين النساء حسب الوضعية الاقتصادية والمجالية. ومع تزايد الهجرة نحو الحواضر الكبرى وتغير أنماط العيش، برزت بعض المظاهر الاجتماعية الجديدة المرتبطة بسوق العمل الحضري .ومن بين هذه المظاهر إشكالية انخراط بعض النساء في أنشطة هامشية مرتبطة بالبحث عن سبل العيش في ظل ظروف قاسية، وهو ما يفتح المجال للحديث عن ظاهرة الدعارة في سياقها التاريخي خلال فترة الحماية.
عبد الرزاق الصافي
المقال الكامل من العدد 153 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































