عرف المغرب أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وضعا سياسيا غير مستقر، اختلطت فيه رهانات تثبيت السلطة بإدارة صراعات داخلية حادة، في ظل غياب قواعد واضحة لتدبير الاختلاف. وهو ما أنتج تراجع منطق القانون لحساب ممارسات استثنائية، وتداخل الأمني بالقضائي، وغياب الحدود بين ما هو معلن وما يدار في الظل، مما جعل العلاقة بين الدولة وأجزاء من المجتمع، محكومة بالغموض والقطيعة وانعدام الثقة. في هذا الحوار، تعود خديجة الرويسي إلى هذه المرحلة من موقع الشاهدة والمعنية في آن واحد، فتتوقف عند اختفاء شقيقها، ثم عند تجربة اعتقالها، قبل أن تتناول مسار انخراطها في الدفاع عن قضية المختطفين والمختفين قسريا، وإسهامها في تأسيس منتدى الحقيقة والإنصاف، وصولا إلى تجربة الإنصاف والمصالحة وحدودها.
لنبدأ بالطفولة، كيف كانت الولادة والنشأة؟
ولدت سنة 1963 بمدينة الدار البيضاء، كنت آخر العنقود وأصغر إخوتي وأخواتي، وهو ما مكنني من الملاحظة والاستفادة منذ وقت مبكر، خصوصا وأن أسرتي كان لديها اهتمامات سياسية، فوالدي كان بحزب الشورى والاستقلال، واعتقل من طرف الاحتلال سنة 1930 فيما عرف بـ“قضية الظهير البربري“، كما اعتقل أيضا سنة 1952. كما اكتشفت أيضا وأنا طفلة صغيرة أن أخي عبد الحق قد اختطف واختفى سنة بعد ولادتي، أي سنة 1964. عشت، أيضا وأنا صغيرة، اعتقال أخي جمال الدين سنة 1972 والذي كان عضوا بحركة إلى الأمام، واعتقال أخي محمد سنة 1973 بسبب أنشطته وآرائه السياسية، واختفائه لمدة ستة أشهر، بما يعرف بـ“الكومبليكس“ بالرباط. زوج أختي الطاهر غزار أيضا كان ضمن منظمة 23 مارس، واعتقل ضمن مجموعة 105 سنة 1975، وكان بعدها من المؤسسين لمنظمة العمل الديمقراطي، وكان مشرفا على جريدة “أنوال“. ابن عمتي خالد سحنون تعرض، أيضا، للاعتقال في هذه الفترة. كل ذلك كان له أثر على مساري، وقادني للاهتمام بما هو فكري وسياسي، مع أننا كنا نعرف داخل الأسرة هامشا كبيرا من الحرية والاختيار، فلا أذكر أنهم وجهوني يوما أو دفعوني لاختيار معين، ومن مظاهر ذلك أني كنت دوما لا أؤمن بالعنف الثوري وأرفضه رفضا مطلقا رغم صغر سني، وبقي معي هذا الأمر طيلة مساري السياسي.
ما هي قصة اختفاء أخيك عبد الحق؟
هناك روايتان حول اختفاء عبد الحق، رواية تذهب إلى أن سبب اختطافه هو أنشطته النقابية ضمن الاتحاد المغربي للشغل، وإسهامه في تأطير الإضراب العام الذي كان سنة 1962، وهناك رواية أخرى تتحدث عن علاقة كانت تربطه بإحدى الفتيات، وأن أحد المسؤولين النافذين كان يريد الارتباط بها، واستغل نفوذه للتخلص منه، وهي الرواية التي ذكرها الضابط البخاري في شهادته، حيث ذهب إلى أن هذه الفترة شهدت انفلاتا أمنيا بعد ملاحقة شيخ العرب وأتباعه، والمواجهات التي كانت بين الطرفين، وهو ما استغله بعض الضباط لتصفية حساباتهم الخاصة، خصوصا وأن اختطافه كان شهرا فقط بعد كرائه لشقة بأحد أحياء الدار البيضاء، مما يجعل إمكانية استدراجه أمرا محتملا.
حاورها محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 147 من مجلتكم «زمان»












































