كيف تشكل تصور عقوبة التشهير في الفقه والممارسات التاريخية؟ وكيف عالج الفقه المالكي مفهوم التشهير وأدواته؟ وما هي الشروط التي ضبطت إدراجه ضمن عقوبات التعزير وصلاحيات القاضي؟ وكيف جرى العمل بالتشهير في التجربة المغربية؟ وكيف حضرت ممارسته في بعض الدول التي حكمت المغرب؟
تنوعت أشكال العقوبة في التجربة الإسلامية بحسب طبيعة الأفعال وآثارها، بين ما يستهدف الجسد أو الحرية، وبين ما يقوم على العلنية وما يترتب عنها من أثر اجتماعي. في هذا السياق، اعتمد القضاة في تاريخ المسلمين عقوبة التشهير، باعتبارها أسلوبا زجريا يعتمد إعلان الفعل وربطه بنظرة الناس، لما لذلك من أثر في الردع ومنع تكرار السلوك، وإن ظلت هذه العقوبة مشروطة بضوابط دقيقة، خشية انزلاقها إلى الإضرار بالآخرين أو انتهاك الحرمات. لا يَرِد التشهير في مصادر الفقه الإسلامي بوصفه مفهوما قائما بذاته أو عقوبة محددة المعالم، بل يظهر من خلال صيغ تنفيذية ارتبطت بإخراج الحكم إلى العلن وجعله متداولا في المجال العام. لذلك، لا تستعمل المدونات الفقهية ألفاظا نظرية جامعة، وإنما تعتمد تعبيرات عملية من قبيل الإشهار بالعقوبة، والإعلان بالحكم، والإذاعة، و“التفضيح“، والطواف بالمذنب، وهي صيغ تصف كيفية التنفيذ أكثر مما تؤسس تصورا مستقلا للعقوبة. وتكشف النوازل عن استعمال متكرر لهذه الصيغ بحسب نوع الفعل وسياقه. ففي قضايا الغش والمعاملات، يرد الأمر بأن «يُشهَّر بالمدلس في السوق»، أو «يُعلن باسمه بين الناس»، أو «تُعلّق آلة غشه ليُعرف بها». وفي قضايا السلوك الأخلاقي، تُستعمل عبارات من قبيل «يُطاف به في الأسواق» أو «يُعرّف الناس بفعله». ويجتمع في هذه الاستعمالات عنصر العلنية مع ربط الفعل بصاحبه وبالمكان الذي وقع فيه، كما في الأحكام التي قُيّد فيها الإعلان بأن يكون «في موضع فعله»، بما يجعل الفضاء جزءا من منطق العقوبة لا مجرد إطار لتنفيذها.
محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة المقال تجدونها في العدد 148 من مجلتكم «زمان»















































