لم تكن الرشوة في مغرب العصر الوسيط مجرد انحراف أخلاقي عابر أو مجرد ممارسة هامشية أو سلوك فردي معزول، بل شكلت ظاهرة متجذرة في البنية السياسية والاجتماعية، خاصة خلال القرنين الثامن والتاسع الهجريين .فقد تسربت إلى دواليب القضاء، وأروقة المخزن، ومجالس الجباة، وحتى إلى محيط السلاطين أنفسهم، متخذة أشكالًا متعددة بين ”الهدية” و”المصانعة” و”كسب القلوب”.
الرشوة لغة المحاباة والملاينة، «والوصلة إلى الحاجة بالمصانعة …فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستفيض لهذا». ومن ثمة فالرشوة هي «ما يعطى لإبطال حق أو لإحقاق باطل»، أو «الأخذ للحكم بغير الحق، أو لإيقاف الحكم». سيتم السعي في موضوع الرشوة في مغرب العصر الوسيط، وخاصة أواخره أي القرنان 8-9 هـ/ 14-15م، الوقوف عند الغايات من الرشوة، وأصناف المرتشين، والعقوبات التي طالت بعضهم، وموقف المجتمع منها. تعددت الغايات من الرشوة وتنوعت؛ فقد حاول بعض أفراد المجتمع اتقاء تعسف رجال المخزن، المتعدد المظاهر، ولعل أهمها اتقاء التعسف الضريبي؛ فقد عبر العديد من الحرفيين والتجار عن استيائهم من الضرائب التي كانت تفرضها السلطة المرينية عليهم، وكان يزيد من استيائهم تعسف بعض الجباة في استخلاص تلك الضرائب .لذا، لجأ بعض هؤلاء الحرفيين والتجار إلى جملة من الأساليب للتخفيف منها ومن تعسف جباتها، ومنها إعطاءهم رشاوى لاتقاء تعسفهم. لا سيما أن بعض الفقهاء، من أمثال أبو الفضل راشد الوليدي (ت. 675هـ/ 1276م)، أجازوا إعطاء الرشوة إذا كانت تقي شر الظلم، كما أباحوا مداراة الظلمة إذا حصل خوف على النفس والمال. كانت تعسفات رجال المخزن تزداد في طور هرم السلطة، خاصة أن هذا الطور من عمر الدولة كان يتميز بضائقة مالية، في الوقت الذي يكون فيه هؤلاء الرجال قد استأنسوا بحياة الترف التي تتطلب كثرة النفقات، فكانوا يسعون جاهدين للحصول على الأموال بشتى الطرق والوسائل. في مثل هذه الظروف، كان بعض التجار يضطرون إلى إعطاء الرشاوى لرجال السلطة لاتقاء تعسفهم.
محمد ياسر الهلالي
تتمة المقال تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































