شكلت حرب الاستنزاف اختبارا طويلا للقوات المسلحة الملكية في الأقاليم الجنوبية الصحراوية، حيث واجهت جبهة ”البوليساريو “في ظروف جغرافية قاسية. وقد تميزت المواجهات بطابع كرّ وفرّ، قبل أن تفرز تحولات ميدانية أعادت رسم ميزان القوى في المنطقة.
ارتبطت البدايات الأولى لتشكل القوة العسكرية المغربية ببناء الدولة المركزية منذ العصر الوسيط، إذ اعتمدت السلطة على مزيج من العصبية القبلية والتنظيمات العسكرية المرتبطة بالمخزن، في إطار سعيها إلى بسط النفوذ وضبط المجال. ومع تعاقب الدول، من الدولة المرابطية إلى الدولة العلوية، أخذت هذه النواة العسكرية تتطور تدريجيا، سواء على مستوى التنظيم أو على مستوى الوظائف، غير أنها ظلت في جوهرها مرتبطة بمنطق الولاء والارتباط الشخصي بالسلطان، أكثر من ارتباطها بمؤسسة عسكرية وطنية حديثة. برزت حدود هذا النموذج العسكري التقليدي في ظل تصاعد الاحتكاك بالقوى الأوروبية خلال القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كشفت المواجهات العسكرية عن اختلالات بنيوية في التنظيم والتجهيز والعقيدة القتالية، تجلى ذلك في معركة إسلي وحرب تطوان التي جعلت المغرب يفقد السمعة التي اكتسبها بعد الانتصار الذي حققه على أكبر قوة عسكرية تراوحت ما بين 80.000 و120.000 مقاتل في معركة وادي المخازن بقيادة أحمد المنصور الذهبي، الانتصار الذي لم يسبق أن تحقق مثله من طرف الدول التي تعاقبت على حكم المغرب قبل الدولة السعدية. هذه الهزيمة فرضت على المغرب التفكير في إصلاح المؤسسة العسكرية، من خلال إدخال بعض مظاهر التحديث المرتبطة بالتسليح والتنظيم، غير أن هذه المحاولات ظلت محدودة بفعل إكراهات بنيوية مرتبطة بطبيعة الدولة المخزنية .دخلت المؤسسة العسكرية مرحلة جديدة مع مطلع القرن العشرين، اتسمت بإعادة التشكيل وفق نماذج تنظيمية حديثة، انبثق على إثرها جيش وطني قائم على أسس أكثر تنظيما واحترافية في ظل تحديات وأحداث متزايدة، خاصة بعد رفع الحماية غير التام على المغرب. وفي هذا الإطار، برزت قضية الصحراء المغربية التي تعتبر اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسة العسكرية على الانتقال من منطق التأسيس وإعادة البناء إلى منطق الفعل الميداني.
يقتضي فهم طبيعة المواجهات العسكرية في الصحراء المغربية استحضار الامتداد التاريخي الطويل، الذي يعكس مسار تحول تدريجي من نواة عسكرية تقليدية قائمة على الولاء والوظيفة الضبطية، إلى مؤسسة عسكرية حديثة منخرطة في حرب ذات أبعاد جيوسياسية معقدة. على ضوء هذا، نتساءل إلى أي حد استطاع الجيش المغربي، في خضم هذه التراكمات التاريخية، تطوير عقيدة قتالية وأدوات ميدانية مكنته من التكيف مع خصوصيات المجال الصحراوي، وضمان التحكم في مسرح الأحداث خلال مختلف مراحل النزاع؟
عبد الله اللويز
المقال الكامل من العدد 151 من زمان متوفر بالنسخة الورقية (كشك الكتروني) أو بالنسخة الرقمية















































