يعرض متحف التاريخ الطبيعي في لندن هذه الأيام معدناً أزرق غامضاً اكتُشف في المغرب، ظلّ لسنوات طويلة يحيّر العلماء قبل أن يُفكّ لغزه أخيراً. وتُعرض هذه العيّنة ضمن رواق المعادن في واحدة من أعرق المؤسسات العلمية في العالم.
تعود قصة هذا الحجر إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين اقتنته الصحفية والجيولوجية آنا غرايسون بالقرب من فاس، من بائع متجول كان يعتقد أنه يبيع حجر اللازورد. غير أن لونه الأزرق الكهربائي الاستثنائي أثار شكوكها، فقررت الاحتفاظ به وعرضه لاحقاً على المختصين.
عند تقديم العيّنة إلى المتحف سنة 1996، لم يتمكن فريق من الخبراء بقيادة عالم المعادن غوردون كريسي من تحديد طبيعتها بدقة. بل ذهب بعضهم إلى احتمال أن يكون الأمر متعلقاً بمعدن غير معروف، ما زاد من غموضه وأهميته العلمية.
لم يُحسم الجدل إلا بعد سنوات من التحاليل الدقيقة، حيث تبيّن أن الحجر ينتمي إلى معدن نادر يُعرف باسم “الأيرينيت” (Aerinite)، وهو نوع من السيليكات يحتوي على كربونات ويتميّز بلونه الأزرق العميق اللافت. وتوضح غرايسون أن ما شدّ انتباهها لم يكن اللون فقط، بل أيضاً وجود أسطح مائلة على الصخرة تشبه آثار الانزلاق الصخري الناتجة عن حركة الصدوع، وهو ما زاد من تعقيد فهم طبيعتها. لاحقاً، خضعت العيّنة لسلسلة من التحاليل المتقدمة داخل المتحف، من بينها تقنيات أشعة إكس السنكروترونية، ما مكّن الباحثين من كشف بنيتها الدقيقة. وقد أوضح الباحث بول سكوفيلد أن هذا المعدن أثار حماساً كبيراً داخل الأوساط العلمية، نظراً لخصائصه الفيزيائية الفريدة.
وتبيّن أن الحجر يتكوّن من ملايين الألياف البلورية الدقيقة، حيث تتحرك الإلكترونات بين نوعين من ذرات الحديد داخل هذه البنية، وهو ما يمنحه ذلك البريق الأزرق المميز. ورغم ذلك، لم يتم الكشف الكامل عن بنيته الذرية إلا سنة 2004، بفضل أبحاث قادها العالم الإسباني جوردي ريوس، ما وضع حداً لواحد من أكثر الألغاز الجيولوجية إثارة في العقود الأخيرة.
اليوم، تُعرض هذه “الحجرة الزرقاء” في لندن كشاهد على غنى المغرب الجيولوجي الاستثنائي، الذي جعل منه على مدى عقود وجهة مفضلة للعلماء وجامعي المعادن من مختلف أنحاء العالم. لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً أبعد: كم من الكنوز العلمية لا تزال مدفونة في أرض لم تُستكشف بعد كما ينبغي.















































