كانت خديجة شاكر من الرعيل النسوي الأول الذي اختار دراسة مادة الفلسفة ثم تدريسها بعد التخرج. فقد بدأت تجربتها مع أم العلوم في أواخر ستينات القرن الماضي، قبل أن تلتحق بفصول التدريس في عام ،1972 بعدما قضت سنة أولى في تدريس الأدب واللغة العربية .في هذا الحوار، تعود خديجة شاكر إلى سنواتها الأولى وإلى ”ما كان يحيط بالفلسفة من توجس وحذر من طرف عموم المجتمع”، على حد قولها، كما تتطرق إلى المرحلة التي بدأ فيها التضييق على الفلسفة وبداية تعويضها بالفكر الإسلامي.
بداية، كيف كانت تجربتكم الشخصية في تدريس الفلسفة خلال السبعينات والثمانينات؟
يعود بي هذا السؤال إلى عقود خلت، إلى أكثر من خمسين سنة، حيث كانت بداية تجربتي المتواضعة سنة ،1971 ولم تكن مادة الفلسفة قد عربت بعد .لذلك، أسندت لي الإدارة تدريس الأدب واللغة العربية، فقد كنت خريجة شعبة الفلسفة المعربة، شأني شأن الكثير ممن درسوا الفلسفة باللغة العربية في ثانوياتهم الحرة عبر ربوع الوطن. في الوقت الذي بدأ فيه من تخرجوا وتخرجن من شعبة الفلسفة باللغة الفرنسية، عملهم في الثانويات المغربية بشكل عادي. بدأت تدريس الفلسفة باللغة العربية في سنة .1972 كانت تلك فترة انتقالية فعلية، ليس فقط بالنسبة لنا نحن مدرسات ومدرسو الفلسفة، سواء من درسوها باللغة العربية أم باللغة الفرنسية، بل كانت مرحلة هامة من تاريخ التعليم في المغرب ومساره، فقد تم اعتماد المبادئ الأربعة كما حددتها اللجنة الملكية لإصلاح التعليم بعد استقلال المغرب، وهي: التوحيد والتعميم والتعريب والمغربة. كان تعريب تدريس الفلسفة إلى جانب اعتماد كتاب مدرسي وحيد وموحد، عوض الكتب المدرسية المتعددة التي كانت ترخص الوزارة باعتمادها سابقا، وكانت منها كتب كتبها أساتذة مشرقيون، وكان الكتاب الموحد المعتمد آنذاك من تأليف الأساتذة محمد عابد الجابري وأحمد السطاتي ومصطفى العماري .في تلك الفترة، بدأ أساتذة الفلسفة الفرنسيون المتعاونون، يغادرون الفصول ويتم تعويضهم بالخريجين الجدد، ومنهم خريجو الشعبة الفرنسية الذين عانوا الكثير من أجل تعريب معارفهم وممارستهم التدريسية.
ارتكزت تجربتي الشخصية في هذه المرحلة على الإسهام في بناء درس فلسفي جديد، وكانت تجربة جيل بكامله من مدرسي الفلسفة، كنا نتوق إلى بث حياة جديدة في دروسنا، لم نكن نتقيد داخل أقسامنا بدروس الكتاب المدرسي غالباً، بل نبحث في تاريخ الفلسفة وفي نصوص الفلاسفة عما يغني تجربتنا في التدريس، ويثير الفضول المعرفي لدى تلامذتنا، ويرسخ طرح الأسئلة ويحارب الدوغما، خاصة وأن الفلسفة كانت محاصرة بالأحكام المسبقة، وبالتصنيفات المجحفة التي كانت تجعل مهمة مدرسات ومدرسي الفلسفة آنذاك مهمة صعبة على عدة واجهات.
هل تتذكرين اللحظة أو المرحلة التي بدأت تشعرين فيها بأن هناك تضييقًا ممنهجا على مادة الفلسفة؟ وكيف انعكس ذلك على حياتك المهنية؟
لم يكن تدريس الفلسفة، كما خبرته، نزهة مريحة منذ البداية. فبالإضافة إلى ما كان يحيط بالفلسفة من توجس وحذر من طرف عموم المجتمع، وما كان يحمله التلاميذ المقبلون والتلميذات المقبلات على دراسة الفلسفة في السنة النهائية من تعليمهم الثانوي، من أفكار مسبقة عنها، باعتبارها مبحثا جديدا غريبا ومثيرا؛ كانت التغيرات التي تطال البرامج المقررة متواترة، وكانت تشكل بالنسبة لمدرسات ومدرسي الفلسفة صعوبات إضافية، تستدعي منهم البحث والتكوين المستمر من جهة، والمزيد من اليقظة والحضور الفلسفي الواعي، من جهة أخرى. لذلك، لم يعرف تاريخ تدريس الفلسفة فترات أو مراحل دون تضييق ومحاصرة، بل كان في مجمله تاريخ مواجهة مستمرة لتأكيد الوجود وإثبات الحضور، سواء أمام الهجمات المدسوسة بدعوى حماية الدين، أو أمام اتهامها بنشر الأفكار المستوردة والهدامة. ولكن عملنا في حصص مادة الفلسفة كان فرصة متاحة لمراجعة تلك الأفكار ومجالا يوميا للبرهان على عدم مصداقيتها، فالتلاميذ متعطشون لمعرفة هذه المادة “الغريبة“، وأسئلتهم الملحة كانت مفاتيح أمامنا لتنوير فكرهم ويقينياتهم.
حاورها محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة الحوار تجدونها في العدد 141 من مجلتكم «زمان»












































