بقدر ما حظي به محمد الآبلي من شهرة، تحيط بحياته جوانب يغلفها الغموض، وتكتنفها أسئلة معلّقة يظل كثير منها دون جواب، مما يضفي على بعض مراحل سيرته هالة من الإبهام.
حين بدأت حملات المسيحيين تستعر في الأندلس، اختار إبراهيم الآبِلي (نسبة إلى مدينة آبِلَة إلى الشمال من مجريط من مدن الثغور العليا في الأندلس) الانتقال إلى الضفة الجنوبية من المتوسط وتحديدا إلى تلمسان. هناك عقد قرانه على ابنة قاضي المدينة، ذي الأصول الأندلسية، أبي العباس محمد بن غلبون، فولدت له محمدا سنة 681 هـ/1282 م. تربى محمد الآبلي في كنف جده لأمه، لأن أباه كان يشتغل في سلك الجندية التابع للسلطان العبدوادي يغمراسن بن زيان .كان ذلك قدرا له ما بعده، فقد لقنه جده القاضي مبادئ اللغة العربية وكتابتها بإتقان، وحرص على تعليمه، في سن مبكرة، علوم الریاضیات فأتقنها، وتميز على أقرانه في تحصيلها وهم الذين كانوا، غالبا، ما يقتصرون على حفظ القرآن والحديث، ولعل هذا شكل بداية ميوله إلى العلوم العقلية، وهكذا نشأ شغوفا بها. مرت مراحل تعليم الآبلي بعدة محطات، انطلقت من أحد كتاتيب تلمسان، ثم التتلمذ على يد عدد من علماء المدينة، وهي التي كانت تزخر بعلماء أكفاء منهم المتخصص في العلوم العقلية بما وفر له بيئة علمية «جعلته متفتح العقل، يقظ الفكر شديد التطلع، فأقبل عليها ينهل من شتى فنونها، يستكمل ما كان بدأه في مجالس جده». إذا كانت هذه المحطة تمت بإرادته وإرادة أسرته؛ فإن المحطات اللاحقة لم تكن كذلك؛ فرحلته إلى المشرق التي بدأت سنة 700هـ/1300م، ولم يكن حينها بلغ العشرين من عمره، كانت هروبا من السلطان المريني يوسف بن يعقوب بعدما ألزمه بمهام عسكرية لم يكن الشاب الآبلي مستعدا لها ولا أهلا لها، هذا إذا ما صدقنا المصادر التي يكتنفها غموض كبير في هذا الباب، فاستغل فرصة موسم الحج ليتنكر في زي الصوفية، وغادر في اتجاه المشرق رفقة شخصية غامضة، داعية شيعي من كربلاء، التقاه في قرية العُبّاد، كان في طريق عودته إلى المشرق بعدما أدرك أن فرصه معدومة لنشر دعوته في بلاد المغرب. كانت تونس المحطة الأولى برا، والإسكندرية الثانية بحرا، وقد رافق الداعية المذكور طوال رحلته المشرقية، مكنته، على ما يبدو، من الإلمام بأفكار الشيعة العقدية والفلسفية وتاريخهم، ويُجهل مدى تأثيرها على قناعاته الفكرية لاحقا.
محمد ياسر الهلالي
تتمة المقال تجدونها في العدد 143/142 من مجلتكم «زمان»












































