يُعتبر محمد الناصري أحد أهم مؤسسي علم الجغرافيا بالمغرب بُعيد الاستقلال. ورغم تواريه عن الأضواء وتواضعه، إلا أن النخب الثقافية والفكرية تعرفه حق المعرفة، وتعرف أفضاله على الكثير منهم. كما تعرفه النخب السياسية جيدا، فهو إحدى ركائز حزب ”الاتحاد الوطني للقوات الشعبية “ منذ تأسيسه، وكان مرجعيته العلمية ضمن خلية عبد الرحيم بوعبيد .يَخبِر ضيف العدد المجتمع مثلما يَخبِر التضاريس، أو لنقل: يعرف جغرافيا البلاد من خلال بنية المجتمعات في السهول كما الجبال. وقد تفرّد أسلوبه البحثي في العمل الميداني والتغلغل بين فئات المجتمع لسبر أغوار السكان في المدينة وحواشي المدن. وهذه الفرادة جعلت الجغرافيين الفرنسيين البارزين يعتمدون على أبحاثه للانسلاخ عن ”نظرتهم الاستشراقية .”لقد نحت الأستاذ الناصري مفاهيم جديدة أعادت نظرتنا إلى التاريخ الحضري للبلاد، كما فضح أساليب متوارثة عن البحث الكولونيالي الفرنسي. في هذا الحوار الغني، نتعرف على رجل شاهد على عدة محطات تاريخية وسياسية بالمغرب؛ منذ زمن الاستعمار وصولا إلى فترتنا الحالية.
اسمح لي أن أستهل حديثنا بسؤال يلامس جوهر شخصيتكم؛ فأنت، باعتبارك قامة جغرافية شامخة في المغرب، وتمتلك رصيدا سياسيا وعلميا وازنا، إلا أنك تؤثر -رغم ذلك- البقاء في الظل وتزهد في الأضواء. فما هي فلسفتك في الحياة؟
أعتقد أن هذه الخصلة هي طبع متأصل في “الناصريين“ .فقناعتي الراسخة التي لا تتزحزح هي أن العبرة تكمن فيما يقدمه المرء من نفع للمجتمع، وما يبذله في سبيل تطوره ونشر المعرفة، لا في السعي وراء تلميع الذات أو حب التصدر .ويبدو لي أن هذا الزهد في الظهور إرث تتوارثه الأجيال. ولعل خير دليل على ذلك ما ورد في “الدعاء الناصري“ من تضرع لطلب الذرية الصالحة والعلماء العاملين، حيث يقول: «واجعل بنينا فضلاء صُلحا، وعلماء عاملين نُصحا». لقد كانت الرسالة الجوهرية للزاوية الناصرية هي بث العلوم وحفظ كنوز الكتب والمخطوطات، وحتى تنظيم قوافل الحج انطلاقا من الجنوب، حين كانت تشد الرحال، لم يكن همّها مقتصرا على اقتناء البضائع الواردة من الديار المقدسة، بل كان الهاجس الأكبر هو جلب الزاد من الكتب. فكان الحجاج يمرون بالمدينة المنورة، ثم القدس ودمشق –حواضر العلم آنذاك– ليقتنوا الكتب بنهم، ويحملوها على ظهور الدواب وتُنقل إلى المغرب.
وهل ثمة صلة مباشرة تربطكم بالمؤرخ الناصري، صاحب كتاب “الاستقصا”؟
نعم، تجمعنا رابطة العمومة. ففي غضون القرن الثامن عشر، ارتأى شيوخ الزاوية الناصرية ضرورة توسيع إشعاعهم، فأسسوا فروعا للزاوية في حواضر المغرب المختلفة. وفيما يخص فرع عائلتي، فقد قصد أجدادي سعيهم نحو الشمال، فكانت لهم ارتباطات مع الزاوية الخمليشية. لقد هاجر جزء منهم إلى مدينة سلا عام ،1835 وآخرون إلى الرباط. وقد كان المكي الناصري وجها بارزا لفرع الرباط، وكان له أخ يدعى محمد لم يستسغ استيلاء الفرنسيين على المغرب، فأبت عليه نفسه البقاء تحت نير حكمهم، فهاجر بلا رجعة إلى القاهرة حيث قضى قسطا من حياته، ثم استقر في الديار المقدسة. وتلك شيمة كانت لدى بعض أهل التصوف الذين لا يطيب لهم العيش فوق أرض يبسط عليها “النصارى“ نفوذهم.
حاوره غسان الكشوري
تتمة الحوار تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»













































