مئذنة الكتبية ليست مجرد صومعة ملحقة بمسجد جامع، و ليست معلمة عمرانية لها وظيفة دينية مرتبطة بإعلان حلول وقت الصلاة، إنها رمز لمدينة شكلت قاعدة للحكم والسلطان، تناثرت أوصافها بين دفات الكتب الإخبارية، وظلت بصمات ثلاثة خلفاء موحدين واضحة على هيئتها المعمارية المتفردة، التي أثارت انتباه كل من زار المدينة الحمراء، أو أتيح له التملّي بمشاهدة صورة لها.
يعود تشييد مئذنة الكتبية بمراكش إلى العصر الموحدي، حيث تم الشروع في ذلك سنة 553هـ/ 1159م أو قبلها بقليل، وقد شهد الغرب الإسلامي في هذه المرحلة تأسيس أكبر دولة مركزية امتدت ظلالها لتشمل مساحات شاسعة من الشمال الإفريقي وشبه الجزيرة الإيبيرية. تميز أمراؤها بحبهم الشديد لتشييد المباني الضخمة وتفننهم في أنماطها وأساليبها، كما يظهر ذلك من خلال ما خلفوه من آثار ما زالت شاهدة عليهم إلى اليوم؛ على غرار المساجد الضخمة بمآذنها العظيمة، وخاصة منها مسجد إشبيلية ومسجد حسان بالرباط، ومسجد الكتبيين بمراكش. أثار الأسلوب المعماري الفريد لمئذنة الكتبية اهتمام الكثيرين، سواء منهم الأثريين المهتمين بعمران الفترة الموحدية، أو المؤرخين الذين انكبوا على النظر والتحقيق في أحداثها ووقائعها، أو عامة الناس من سكان مراكش أو من الذين زاروها واستقبلتهم تلك المئذنة الشامخة من بعيد، منتصبة أمامهم علامة فارقة للمدينة الحمراء، ومنارة يهتدون بها بين دروبها وأحيائها. يعد الجغرافي الشريف الإدريسي المتوفى سنة 564هـ/ 1169م، من بين الأوائل الذين تحدثوا عن النواة الأولى لمسجد الكتبيين، حيث ذكر أن مراكش كان بها جامع بناه أميرها يوسف بن تاشفين، غير أنه عندما استولى عليها المصامدة وآل إليهم الأمر، تركوا ذلك الجامع معطلا موصد الأبواب لا يقصده الناس للصلاة، فأنشأوا لأنفسهم مسجدا جامعا بديلا عنه يقيمون فيه صلاتهم، وذلك تبعا لوصية زعيمهم الروحي محمد بن تومرت الذي حث أتباعه على تطهير المدينة من كل بيوت العبادة التي خلفها المرابطون. وفي هذا الصدد، أورد ابن عذاري أن المهدي كان يؤكد على أتباعه قبل دخولهم مدينة مراكش وإقامتهم بها بقوله: «حتى تطهروها، فسُئل الفقهاء عن ذلك، فقالوا لهم: تبنون مساجد أنتم وتجددون أخرى، ففعلوا ذلك».
عبد المالك ناصري
تتمة المقال تجدونها في العدد 150 من مجلتكم «زمان»















































