لم تكن ترجمة القرآن إلى الأمازيغية مجرد عمل لغوي يندرج ضمن جهود نقل المعاني بين اللغات، بل مبادرة لامست نصا يحتل موقعا مركزيا في الوعي الديني المغربي، ويخضع لتقاليد راسخة في التلقي والتفسير …حين خرج مشروع الترجمة إلى الوجود، اصطدم بسقف من الاعتراض والشك، وفتح نقاشا لم يكن مطروحا بهذا الوضوح من قبل. في هذا الحوار، يكشف الحسين جوهادي تفاصيل مشروعه في ترجمة القرآن إلى الأمازيغية: سنوات الاشتغال الصامت، التخفي والاحتياط، المداهمات والمصادرة، فتاوى التحريم، ثم صدور الطبعة سنة 2003 وما أعقبها من سجال واسع داخل المغرب وخارجه. شهادة تضع القارئ أمام وقائع تجربة تجاوزت بعدها الشخصي، وتحولت إلى علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين النص المقدس والتعدد اللغوي بالمغرب.
لننطلق من البداية، أين كانت الولادة والنشأة؟
أنا من مواليد سنة 1942، من أسرة معروفة بقبيلة أيت باعمران تسمى آل الشيخ همو. شاءت الظروف أن أولد بمدينة الدار البيضاء حين قدمت عائلتي لزيارة بعض الأقارب بحي روش–نوار. ثم عدنا إلى أيت باعمران. وشاءت الظروف مرة أخرى أن أفقد أمي وأنا في سن الخامسة، وبعد وفاتها بأيام، ذهبت إلى المقبرة لزيارتها، فسمعت قراءة الأطفال للقرآن بالكتاب، فتوجهت إليه وحدي. استقبلني الفقيه، وبدأ يعلمني الحروف والقراءة والكتابة، ثم القرآن الكريم. كان الفقيه يلاحظ مدى نجابتي وسرعة حفظي، حتى أني أكملت حفظ القرآن الكريم في سنة واحدة، بمقدار ربع واحد في اليوم، بل انتقلت لحفظ القرآن بروايات أخرى، فضبطت رواية “قالون“ ورواية “ابن كثير“ إضافة إلى “ورش“، كل هذا وأنا لا أفهم معنى كلمة واحدة في اللغة العربية، بل وحتى الدارجة المغربية. ولما رأى الفقيه سرعة حفظي وتفوقي، أرسلني إلى مدرسة قرآنية أكبر بالمنطقة، إلا أن أخي الأكبر كان قد انتقل إلى مدينة الدار البيضاء بداية الخمسينيات، فطلب منا جميعا الالتحاق به خصوصا مع وفاة الوالدة، فألحقني والدي بالكتاب مرة أخرى خوفا علي من أن تدهسني سيارة أو شاحنة في الشارع.
لكنك ستعود مرة أخرى إلى قبيلة أيت باعمران سنة 1953، فماذا كان سبب العودة؟
فعلا، سنة 1953 بعد نفي الملك محمد الخامس توتر الوضع الأمني، فتعرضت للاعتقال مرات متتالية، وهو ما ضايقني وأزعجني، فقررت الهروب إلى قبيلة أيت باعمران دون موافقة أهلي. امتطيت الحافلة المتوجهة إلى تزنيت، ثم قصدت مدرسة عتيقة بالمنطقة، وحصلت فيها على السكن والطعام، لكن المدرسة أغلقت بعد ذلك بقليل بعد تورط طالبين معنا في توزيع المنشورات المحرضة على الاستعمار الإسباني، إضافة إلى بعض الأعمال التخريبية، كما قامت سلطات الاحتلال باعتقال طلبة المدرسة، إلا أنني تمكنت من الفرار، وقصدت نواحي تافراوت، حيث قصدت مدرسة معروفة هناك، وبقيت بها ثلاث سنوات كاملة في طلب العلم. انتقلت بعدها إلى ماست نواحي أكادير، ثم إلى معهد تزنيت العتيق، حيث حصلت على الشهادة الابتدائية بتفوق سنة .1956بفضل هذا التفوق، التحقت بالمعهد الديني لتارودانت في سنته الثانية، وحصلت هناك على شهادة “البروفي“. لكن كان القانون يومها لا يسمح للمغاربة بولوج الثانوي، فالتحق جل الطلبة الذين كانوا معي بسلك التوظيف، إلا أنني رفقة اثنين معي رفضنا ذلك، وقررنا الالتحاق بمدرسة بن يوسف بمراكش، وبها نلت شهاد البكالوريا بعد أن ضبطت المقررات، وتقدمت مباشرة للامتحان، واجتزته رغم صعوبته بتفوق.
التحقت بعدها بمدرسة المعلمين بعين الشق بالدار البيضاء، حيث اجتزت الامتحان بتفوق مرة أخرى، فطلب مني إضافة إلى ممارسة التعليم أن أشتغل مكونا بمدرسة المعلمين التي تخرجت منها. هكذا، أصبحت أتلقى أجرتين، 400 درهم عن التعليم، و400 عن التكوين.
حاوره محمد عبد الوهاب رفيقي
تتمة الحوار تجدونها في العدد 149 من مجلتكم «زمان»















































