نحن على مشارف استحقاقات انتخابية تشريعية، في الخريف المقبل، تجري في سياق غير الذي دأبنا عليه، بعد الاستحقاقات الأخيرة، والتي انتهت بهزيمة مدوية، كما تردد، لحزب العدالة والتنمية، الحزب الذي كان القوة الأولى في البلد لولايتين، واستفرد بكبريات الجماعات، فلم يكد يجد العدد الكافي من الأعضاء ليشكل فريقًا برلمانيًا بعد انتخابات شتنبر 2021.
ومن حينها، وقعت تغييرات كبيرة، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، منها الحرب الروسية الأوكرانية، وكان لها تداعيات على القوة الشرائية للمواطنين، والحرب على غزة التي أرخت هي الأخرى بظلالها على المغرب، سياسيًا وثقافيًا. وحتى الحرب الأمريكية الإيرانية لم تخلُ من تداعيات اقتصادية، برفع كلفة المحروقات، وبالتالي تقليص القدرة الشرائية.
أما التحولات الداخلية، فكان أبرزها القضية الاجتماعية. حمل الخطاب الرسمي مشروع الدولة الاجتماعية، ولكنه لم يستطع أن يعطي مدلولًا لها، ولذلك قفزت القضية الاجتماعية، ليس من خلال خطاب ورؤى، ولكن من خلال مطالب، كما في مسيرة أيت بوكماز، ومسيرات العطش، والوضع الصحي، وانفجرت مع جيل “زيد“، أو الجيل الرقمي، بمطالب واضحة وملحة، ومقاربة مغايرة…
وللمغرب استحقاقات مهمة؛ أولها إعطاء مدلول للحكم الذاتي، لا يثلم السيادة المغربية، بما فيها السيادة الاقتصادية، وثانيها استحقاق المونديال …2030
هل العرض السياسي الحزبي يستجيب لهذه المتغيرات داخليا وخارجيا؟ وهل من شأن الأحزاب، في عرضها وبرامجها، أن تأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات الدولية والداخلية؟ نعرف أن القضايا الاستراتيجية تتجاوز الأحزاب والحكومة، ولكن لا يمكن للأحزاب المتبارية أن تبقى متأثرة، وتنتظر التعليمات أو الإشارات… لا يمكن للسياسة، طبعًا، أن تُختزل في إجراء موسمي هو الانتخابات، إذ هي، كما يقال، مثل امتحان البكالوريا (لما كان امتحانًا حقًا)، لا يُحضَّر بالأمس. ولكن هناك مستلزمات تقع على الأحزاب كلها، وهي الالتئام مع المتغيرات، بضخ عناصر شابة، أو ما يسمى، في تعبير غير موفق، بـ“التشبيب” (والتشبيب، بالعربية، هو الغزل)، وبرامج، ولو في خطوط عريضة، وألا تكتفي فقط، مثلما كانت تردد، أو يقال لها، بتنزيل النموذج التنموي البديل (والذي فشل، بالمناسبة)، وأن تغير في أسلوب الخطاب، لأن الأسلوب غدا، في حالات عدة، منفِّرًا، بإسفافه وشعبويته وخروجه عن اللياقة… رياح الشعبوية أخذت تتراجع في العالم، ولا يفيد الرهان عليها. وإذا كانت قوة دفع، في سياق مضى، فيمكن أن تصبح آثارها سلبية. طبعًا، ليس للناخب أن ينخرط فيما هو معروض مرددا: «ربيع السوق يترعى»، أو: «هاد الشي اللي جاب لله والسوق». يمكنه أن يؤثر في العرض، برفضه ما هو معروض. ينبغي أن نقبل بذلك، لأنه جزء من العملية السياسية، بل وسيلة للارتقاء بها…
نحتاج إلى العودة للسياسة، والسياسة هي ما يُشعر المواطن أنه يستطيع أن يغير التوجهات العامة بصوته، وحين يشعر أن إمكانية التغيير قائمة. أما حين ينتابه اليأس من التغيير، وحين يُطلب منه التأشير على توجهات قائمة، أو تغيير أشخاص من دون تغيير سياسات، فذلك مؤشر على موت السياسة، وهو ما نحن فيه.
الاحتباس السياسي هو ما يؤدي إلى حالات زائغة، منها إسفاف الفعل السياسي، أو فقدانه للهيكلة، فيجتاح الشارع… والشارع مثل الإعصار، يأتي على الأخضر واليابس !
هي فرصة لإعادة الحياة إلى السياسة، وهي أكثر من التباري على مقاعد. فهل يمكن إعادة الحياة إليها؟ أم أن وضعها هو ما ورد في محكم التنزيل: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ .صدق لله العظيم.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































