بشكل يكاد يكون منظماً، انتفضت أصوات عدة في بعض البلدان الإفريقية ضد المغرب بمناسبة تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم. ولم يقتصر الأمر على ردود الفعل التي رافقت المباريات، بل سبقها ورافقها خطاب اتهم المغرب بكل ما يمكن اتهامه به، حتى بدا وكأن نجاحه في تنظيم هذا الحدث يشكل استفزازاً لدى البعض .لم أكن مهتماً في البداية بما اعتبرته مجرد انفعالات رياضية عابرة، غير أن تكرار الظاهرة في أكثر من مناسبة دفعني إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر فقط بكرة القدم، أم أن هناك ذاكرة تاريخية لم تخمد بعد؟
قد يكون من السهل تفسير بعض المواقف بخلافات سياسية أو منافسات رياضية، لكن تكرارها واتساعها يوحيان بأن المسألة أعمق من ذلك. فبعض الشعوب لا تنظر إلى المغرب باعتباره دولة وطنية نشأت في العصر الحديث، بل تستحضره، بوعي أو من دونه، باعتباره وريثاً لكيان تاريخي ظل قروناً قوة إقليمية ذات امتداد واسع .وكأن الماضي، رغم انقضائه، ما يزال يلقي بظلاله على الحاضر ويؤثر في طريقة استقبال كل نجاح يحققه المغرب.
ليست الإمبراطورية مجرد مرحلة سياسية عابرة في تاريخ الأمم، بل هي تجربة تترك أثراً عميقاً في الوعي الجماعي .فقد تنتهي الحدود التي رسمتها الجيوش، وتختفي الإدارات التي أقامتها الإمبراطوريات، لكن صورة الماضي تستمر في التأثير في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى نفسها وإلى العالم من حولها. فالإمبراطوريات لا تنسى بسهولة أنها كانت إمبراطوريات، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالقوة التي امتلكتها في الماضي، بل أيضاً بالرموز والذاكرة والشعور بالدور التاريخي. بل يمكن القول إن الإمبراطورية، حتى عندما تفقد سلطانها، تظل حاضرة بوصفها تصوراً للذات أكثر من كونها واقعاً سياسياً.
والتاريخ مليء بأمثلة تؤكد هذه الحقيقة. فبريطانيا، رغم انحسار إمبراطوريتها، ما زالت تحمل آثار ذلك الماضي في تصورها لذاتها وفي شبكة علاقاتها الدولية. وفرنسا، رغم انتقالها من الدولة الاستعمارية إلى الجمهورية الحديثة، لم تستطع أن تفصل تماماً حاضرها عن إرثها الإمبراطوري، خصوصاً في علاقاتها مع إفريقيا. كما أن روسيا المعاصرة لا يمكن فهم توجهاتها في محيطها دون استحضار ذاكرتها القيصرية والسوفياتية. أما الصين، التي استعادت موقعها العالمي، فهي تقدم صعودها باعتباره استعادة لمكانة تاريخية أكثر منه بداية جديدة، بينما تتحرك إيران بدورها وهي تستند إلى إرث فارسي عريق. فالإمبراطوريات لا تفقد ذاكرتها.
وهذه القاعدة تنطبق تماماً على المغرب. فقد كان، عبر المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين، إمبراطورية امتد نفوذها من الأندلس إلى أعماق إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يكن هذا الامتداد مجرد توسع عسكري، بل كان فضاءً سياسياً وحضارياً ربط بين التجارة والعلم والثقافة، وجعل من مدن مثل مراكش وفاس عواصم ذات إشعاع يتجاوز حدود الدولة .لذلك فإن الماضي الإمبراطوري للمغرب ليس أسطورة وطنية، بل حقيقة تاريخية موثقة شكلت جانبا مهما من تاريخ غرب البحر الأبيض المتوسط وغرب إفريقيا.
ومن الطبيعي أن يبقى هذا التاريخ جزءاً من الوعي المغربي. فالأمم لا تمحو ذاكرتها بإرادة سياسية، ولا تتخلى عن ماضيها لأن الزمن تغير. غير أن المثير في حالة المغرب هو أن هذه الذاكرة لا تسكن المغاربة وحدهم، بل تسكن أيضاً ذاكرة الآخرين. فالمغرب قد يتعامل مع تاريخه باعتباره رصيداً حضارياً لا مشروعاً سياسياً، لكنه يجد نفسه في أحيان كثيرة موضوعاً لنظرة تستحضر صورته القديمة باعتباره مركزاً لإمبراطورية امتد نفوذها خارج حدودها الحالية.
وربما يفسر هذا جانباً من الحساسية التي تظهر أحياناً في مواقف بعض الدول أو بعض الرأي العام الإفريقي تجاه المغرب. فكل نجاح يحققه، سواء كان اقتصادياً أو دبلوماسياً أو رياضياً، قد يُقرأ من خلال تلك الذاكرة التاريخية، لا من خلال الحدث نفسه. وكأن المغرب لا يواجه صورته الراهنة فقط، بل يواجه أيضاً الصورة التي ما تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بها عنه. ولذلك فإن ردود الفعل لا تكون دائماً انعكاساً للواقع، بل قد تكون انعكاساً لذاكرة تاريخية لم تُطو صفحتها بالكامل.
ولا يعني ذلك أن المغرب يسعى إلى إحياء إمبراطوريته أو استعادة نفوذها، فذلك ينتمي إلى زمن آخر. لكن التاريخ يعلمنا أن صورة الدول لا يصنعها حاضرها وحده، بل يصنعها أيضاً ماضيها كما يراه الآخرون. فكما تحتفظ الأمم بصورة خاصة عن نفسها، تحتفظ الشعوب الأخرى بدورها بصور قديمة عن تلك الأمم، وقد تستمر هذه الصور في التأثير في العلاقات بينها، حتى بعد مرور قرون.
لهذا فإن فهم بعض المواقف تجاه المغرب يقتضي تجاوز التفسيرات الظرفية والالتفات إلى عمق التاريخ. فالإمبراطوريات قد تسقط، وقد تتغير حدودها وأنظمتها، لكن ذاكرتها لا تختفي، سواء في وعي أصحابها أو في وعي الآخرين. والمغرب، بوصفه وريثاً لإمبراطورية عريقة، قد ينسى أحياناً أنه كان كذلك، أو يفضل أن يتعامل مع ذلك باعتباره صفحة من صفحات تاريخه، غير أن الآخرين لا ينسون بسهولة .إنهم يستحضرون تلك الصورة كلما برز المغرب على الساحة الإقليمية أو الإفريقية، ولذلك فإن ماضيه لا يزال، إلى اليوم، أحد مفاتيح فهم الطريقة التي يُنظر بها إليه داخل جزء من محيطه الإفريقي.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































