تقف منطقة الساحل الإفريقي، بما فيها امتداداتها الصحراوية جنوب الصحراء، عند منعطف جيوستراتيجي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع فيها تحولات الأمن الإقليمي مع إعادة توزيع النفوذ الدولي، وتزايد حضور الفاعلين المسلحين غير الدوليين، في سياق يتسم بضعف الدولة المركزية في عدد من البلدان، وتعدد شبكات المصالح العسكرية والاقتصادية العابرة للحدود. تتبدى بعض المؤشرات الأولى على الاهتمام الأمريكي المتزايد بالمنطقة في توسيع نطاق التدخلات الأمنية خارج مناطقها التقليدية في آسيا والشرق الأوسط. وقد برز ذلك من خلال حديث عن عمليات عسكرية مشتركة في إفريقيا تستهدف جماعات مسلحة مثل “بوكو حرام“، رغم التباين الذي يرافق الروايات الرسمية بين واشنطن وبعض العواصم الإفريقية بشأن طبيعة هذه العمليات وحدود التنسيق فيها. هذا التباين ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يعكس هشاشة بنية القرار الأمني المشترك، ويطرح تساؤلات حول طبيعة الانتقال الأمريكي من “حرب الإرهاب“ في آسيا إلى إعادة تموضع استراتيجي في إفريقيا.
في هذا السياق، لا يمكن فهم التحركات العسكرية والدبلوماسية بمعزل عن التصعيد المستمر في مناطق مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث عادت الجماعات المسلحة إلى الواجهة، بعضها ذو امتدادات محلية مرتبطة بتوترات إثنية وهوياتية، وبعضها الآخر يعمل ضمن شبكات عابرة للحدود تستفيد من الفراغ الأمني ومن صراعات النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. هذا الوضع المركب يجعل من الساحل مجالاً مفتوحاً لإعادة تشكيل خرائط السيطرة، ليس فقط بين الدول، بل أيضاً بين الفاعلين غير الرسميين الذين يتحركون في مناطق رمادية بين التمرد، والتهريب، والاقتصاد غير القانوني.
تزداد الصورة تعقيداً مع دخول لاعبين إقليميين ودوليين في إعادة ترتيب أوراقهم داخل هذه الرقعة الجغرافية. فالدول المغاربية، وعلى رأسها الجزائر والمغرب، تظل حاضرة بشكل غير مباشر في حسابات التوازنات الأمنية، سواء عبر ملفات الحدود، أو النزاعات الإقليمية، أو عبر علاقات الشراكة مع القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز بشكل خاص اسم سعد بولس، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره المكلف بملفات المنطقة، حيث تثير زياراته المتكررة إلى الجزائر، مقارنة بغيرها من العواصم المغاربية، تساؤلات حول طبيعة هذا الحضور الدبلوماسي وأولويات الانخراط الأمريكي في المنطقة، وما إذا كان يعكس مجرد مقاربة أمنية تقنية، أم أنه يشير إلى إعادة تموضع أوسع في هندسة النفوذ الاستراتيجي داخل فضاء الساحل والصحراء. إلى جانب ذلك، يبرز الدور المتنامي لموريتانيا كحلقة وصل جغرافية وأمنية بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل. فقد لفت الانتباه مؤخراً توسع التعاون العسكري والتقني بين نواكشوط وواشنطن، بما في ذلك برامج تدريب وتزويد بالعتاد للقوات الخاصة الموريتانية .ورغم أن هذا التعاون يُقدَّم في إطار مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية إدماج موريتانيا في منظومة أمنية إقليمية جديدة تقودها الولايات المتحدة، بما قد يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.
هذا التطور يأتي في لحظة دقيقة، حيث تتراجع أدوار بعض القوى الغربية التقليدية، خصوصاً فرنسا، التي كانت تاريخياً اللاعب الأمني الأبرز في الساحل، مقابل صعود قوى أخرى وتغير أنماط التدخل العسكري والدبلوماسي. كما يرافق ذلك تنامي التهديدات المرتبطة بالجريمة المنظمة، بما فيها شبكات تهريب البشر والمخدرات والأسلحة، وهي شبكات لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد العالمي غير الرسمي، بل تتغذى على تعقيداته وتداخلاته مع بعض مراكز النفوذ المحلي والإقليمي.
وتشير تقارير متعددة إلى أن بعض هذه الشبكات قد لا تكون مجرد مجموعات خارجة عن القانون، بل جزءاً من منظومات مصالح متشابكة، تتداخل فيها اعتبارات الربح الاقتصادي مع حسابات سياسية وأمنية، وقد تمتد إلى فاعلين نافذين في بعض الدول أو إلى شركات عابرة للحدود تستفيد من هشاشة الرقابة في مناطق النزاع. هذا التشابك يجعل من الصعب الفصل بين ما هو “أمني“ وما هو “اقتصادي“ أو “سياسي“، ويزيد من تعقيد أي محاولة لإرساء استقرار دائم.
في ضوء هذه التحولات، تصبح منطقة الصحراء والساحل فضاءً استراتيجياً مفتوحاً على احتمالات متعددة: إما نحو مزيد من التفكك الأمني بفعل استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتداخل المصالح الدولية، أو نحو إعادة هندسة جديدة للأمن الإقليمي تقوم على تحالفات مرنة، لكنها غير مستقرة. وفي كلتا الحالتين، يبقى الخطر الأساس هو تحول المنطقة إلى ساحة تنافس مفتوح، حيث تتقاطع فيها أجندات الدول مع مصالح الفاعلين غير النظاميين، في ظل استمرار حالة من التجاذب والتقاطب بين الفاعلين الإقليميين والدوليين داخل المنطقة. وهي دينامية قد تكون متجهة أكثر نحو الانفجار، لا نحو إعادة تموضع بطيئة ومتداخلة لموازين النفوذ، حيث تتعايش عناصر التنافس والتنسيق في آن واحد، بما يجعل مستقبل التوازن الإقليمي مفتوحاً على احتمالات متعددة قد لا تكون في صالح المنطقة في المستقبل المنظور.
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































