ليس لنا من الوسائل ما يمكّننا من قياس المشهد الثقافي في بلادنا كما كان الأمر قبل عقدين، أو حتى قبل عقد من الزمن، من خلال الصحافة الورقية، وأدوات التعبير الحزبية، أو حتى من خلال الإصدارات والنقاشات التي تثيرها. والمقياس الوحيد، إن صح أن يكون مقياسًا، هو فضاء التواصل الاجتماعي، وما ينضح به هذا الفضاء مخيف، إذ يكشف عن تباعد ثقافي بين مكونات عدة، ولا تستنكف هذه المكونات عن استعمال كل وسائل التشنيع والتضليل والبذاءة ضد الطرف الآخر. حالة التباعد الثقافي هي الردهة المفضية إلى ما يسمى بالحروب الثقافية، وهو التعبير الذي استعمله عالم السوسيولوجيا الأمريكي جيمس هانتر في تسعينيات القرن الماضي، حول الحروب الثقافية التي كانت تعصف بالولايات المتحدة في قضايا خلافية، منها العنصرية، والحرية الجنسية، والإجهاض، والتربية… طبعًا، الحروب ليست هي المعارك، ولم يخلُ مجتمع من معارك، أما الحروب فتستعمل أدوات عدة ووسائل مختلفة، بما فيها التضليل والافتراء والكذب، وطبعا المحاصرة، وهو ما يعرف بمصطلح أضحى ساريًا: “النبذ الثقافي“ .(Cancel Culture)
طبيعي أن يختلف مجتمع ما حول قضايا مجتمعية، أو ثقافية، أو سياسية، ووارد أن تكون مرجعية الخلاف إما إيديولوجية أو ثقافية، ولكن ما يثير المخاوف أن يعتبر فصيل أنه مالك للحقيقة المطلقة، ويستحوذ على الوطنية، ويرى نفسه المعبر عنها، وينعت خصمه، الذي لم يعد خصمًا وإنما عدوًا، بالخيانة، بل بالانفصال والعمالة. ومصطلح الانفصال هو ما استعمله كاتب مغربي في جريدة ما لينعت به الأمازيغ، ويتهمهم بالعمالة لدولة أجنبية .والانفصال والعمالة هما الحد الأقصى في الفعل السياسي، الذي لا يمكن التهاون معه، ولا يدخل لا في حرية الرأي ولا في الحق في الاختلاف. وليس ثمة ما هو أقل خطرًا من رمي مكون ثقافي ومجتمعي بالعمالة والانفصال. هذه أوصاف لا يُعبث بها، ولا يمكن أن تُلقى على عواهنها من دون بيّنة وتبيُّن. استُعمل مصطلح “الظهير البربري“ للإحالة على حفل كارنفال احتضنته مدينة أكادير ونواحيها، مجدّدًا لحفل قديم، هو تهجين لطقوس قديمة مع عيد الأضحى، شأنه شأن احتفالات عاشوراء التي تعرف نوعًا من التهجين بين حفل ديني وطقوس “تاغنجا“ التي يُستسقى بها المطر ويُستجدى الخصب. وتعرف كل المجتمعات ما يسمى بإعادة التراث أو التقاليد، ولذلك فليس كارنفال أكادير بدعة ولا ضلالة. لكن ما تم استعماله من قبل توجهات مناوئة هو أن الكارنفال وثنية وجاهلية، والأدهى أنه إحياء لـ“الظهير البربري“، أي دعوة إلى التفريق بين المغاربة .والحقيقة التي لا يُمارى فيها أن المغاربة، من مختلف المشارب، التقوا دومًا حول القضايا الكبرى التي تهم بلادهم، من دون تمييز ثقافي أو عرقي، بل امتزجوا حتى إنه ليعسر الحديث عن صفاء عرقي أو ثقافي. لكن التوظيف الإيديولوجي لا يعبأ بالحقائق التاريخية أو العلمية، ويستغل سياقات تاريخية، ولا يستنكف عن التضليل.
من المؤكد أن هذا التباعد الثقافي، الذي يعبر عنه فضاء التواصل الاجتماعي، ليس ظاهرة صحية، وليس مما يطمئن، وليس مما ينبغي الاستخفاف به أو تجاهله. ولا يعني الفاعلين الثقافيين أو السياسيين وحدهم، وإنما يعني السلطات كذلك، التي تستغشي ثيابها وتسلك سبيل الصمت، ولسان حالها: «دبّروا لريوسكم أبيضاوة». وحري بالفاعلين الثقافيين، من ذوي الخبرة والتجرد والموضوعية، ألا ينأوا عن الخوض في قضايا ترهن سكينة المجتمع، وخليق بالسياسيين، ومن الأحزاب التي لها مرجعية ثقافية وفكرية، ألا تبقى في الطُرَّة تشاهد، وكأن الأمر لا يعنيها.
لا يمكن الصمت حين يُتهم مكون من المجتمع بالعمالة والانفصال. فإن كان كذلك فعلًا، فينبغي اتخاذ الإجراءات اللازمة والمستحقة في شأنه، لأن في ذلك تهديدًا للعقد الاجتماعي. وإن لم يثبت ذلك، فلا ينبغي لمن يلقي بهذه الأحكام أن يكون في حل من المتابعة، أو أن يحظى بنوع من الحصانة. لا أحد وصي على الوطن، ولا أحد يمكنه أن يحتكر الوطنية، والمواطنة جامعة، وينبغي أن تكون جامعة، لأنها الحصن من التباعد الثقافي.
حسن أوريد
مستشار علمي بهيئة التحرير












































