وجد بنكيران نفسه في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في وضعية صعبة .فهو من جهة مطالب بالوقوف إلى جانب دول الخليج، أو على الأقل قطر بسبب ما يشاع على أنها راعية للإخوان المسلمين التيار الذي يجد بنكيران نفسه فيه، ومن جهة أخرى وحتى يبقي قبضته على من يسمون بـ“المداويخ“، مداويخه هو، لا بد وأن يجد حلا وسطا .وهكذا وفي مداخلة موجودة في وسائط التواصل، عاتب إيران وتضامن معها. ولكنه أحس أن شيئا ما ينقص هذا الموقف أو يبرر الانخراط في الدفاع عن إيران، لاسيما وأنه بحسه الماكر، لأنه حتى وإن كان لا يتميز بالذكاء الخارق، فإنه على قدر كبير من المكر السياسي والدهاء الخطابي .بهذا الحس، بدا له أن مانِحيه من دول الخليج (وعلى رأسهم دولة قطر) ربما يعيشون أيامهم الأخيرة… نظرا لما سيطرأ على الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الخليج نتيجة الحرب المدمرة.
هنا تفتقت بصيرته، وعثر على المفتاح… فبعد أن أحس أن خطاب “المرجعية الإخوانية“ سائر إلى الزوال، اكتشف فجأة أن الطريق إلى قلوب جماهيره لم يعد يمر عبر حسن البنا، بل قد يمر عبر طهران… أو على الأقل عبر الطريق المؤدي إليها رمزيًا .الرجل الذي قضى سنوات وهو يقدّم نفسه حارسا «للاعتدال السني»، قرر فجأة أن يفتح دفتر العائلة، ليخبر المغاربة بأنه من سلالة سعد بن عبادة .وليس أي سعد طبعًا، بل سعد الذي دخل التاريخ من باب سقيفة بني ساعدة، الرجل الذي رفض الانحناء الكامل للسلطة الجديدة بعد وفاة الرسول (ص)، والذي تحوّل لاحقًا إلى شخصية مثالية لكل من يريد استثمار مظلومية مبكرة في التاريخ الإسلامي. الفكرة في حد ذاتها طريفة: بنكيران لا يريد أن يصبح شيعيًا، فهذا مكلف انتخابيًا في المغرب، لكنه يريد أن يقترب من المزاج العاطفي الذي صنعته الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث صار الخطاب “الممانع” أكثر جاذبية لدى قطاعات واسعة من المسلمين والمستضعفين (هذا مفهوم إخواني). وهنا تظهر العبقرية التكتيكية: لا داعي لرفع صور الخميني، يكفي فقط أن تعلن أنك من نسل رجل لم يكن على وفاق مع عمر بن الخطاب، الشخصية التي ينظر إليها جزء مهم من التراث الشيعي باعتبارها عنوانًا لـ«اغتصاب الخلافة».
هكذا تصبح شجرة النسب برنامجًا سياسيًا. لكن المشكلة أن سعد بن عبادة نفسه أكثر تعقيدًا من هذا التوظيف المسرحي؛ فالرجل لم يكن شيعيًا قبل ظهور التشيع أصلًا، ولم يكن حامل مشروع “ثأري“ ضد الصحابة كما يتخيل بعض المتحمسين المعاصرين. كان زعيمًا خزرجيا كبيرًا، وجد نفسه في قلب صراع سياسي قبلي وديني معقد بعد وفاة الرسول (ص). رفض البيعة في البداية، وغادر المدينة إلى الشام، ثم انتهت حياته بطريقة غامضة فتحت الباب لكل أنواع التأويل. بعض الروايات تقول إنه مات ميتة طبيعية، بيد أن روايات أخرى تلمّح إلى اغتيال سياسي غامض. أما الرواية الأشهر، فهي أن الجن قتلوه، بل وأنهم نظموا قصيدة شعرية للاعتراف بالجريمة. وربما هنا فقط نجد الجزء الأكثر انسجامًا مع السياسة العربية الحديثة: عندما تعجز الأرض عن تفسير شيء، يتم استدعاء الجن. وهذا ما دأب بنكيران على فعله وهو رئيس الحكومة.
ولو كان سعد حيًا اليوم، لربما فاجأه استعمال نهايته الغامضة بعد أربعة عشر قرنًا في حملة إعادة تدوير زعيم سياسي يبحث عن شرعية جديدة بعد تراجع صلاحية الخطاب القديم، وخصوصا عندما انفض الجمع من حوله.
المفارقة ليست أن بنكيران انتقل من رفض توظيف الدين إلى توظيفه، فهو لم يخف يومًا استعمال المرجعية الدينية في السياسة، بل إن المفارقة تكمن في طبيعة التحول نفسه: من خطاب إخواني كلاسيكي كان يستمد شرعيته من أدبيات “الصحوة“ السنية، إلى محاولة الاقتراب من المزاج الذي صنعته الحرب على إيران، حيث أصبحت مقاومة الظلم والحرص على استقلال القرار تغري الجماهير. كما أن فكرة رفض الظلم التي يتأسس عليها جزء من الخطاب الشيعي أغرت بنكيران وهو الذي يبرع في خطاب المظلومية.
هكذا يصبح التاريخ، تاريخ بنكيران نفسه، خزان رموز جاهزة للاستعمال السياسي: مرة بلغة الإخوان، ومرة بلغة الشعبوية المحافظة، ومرة عبر استدعاء شخصية مثل سعد بن عبادة بما تحمله من إيحاءات مرتبطة بالسقيفة والخلاف حول الخلافة. ليس المطلوب اعتناق التشيع، بل فقط إرسال إشارات ذكية إلى جمهور تغيّرت حساسياته الرمزية. إنها براغماتية سياسية بلباس تاريخي: الاقتراب من كل خطاب يملك حرارة عاطفية في لحظته.
في النهاية، لا أحد يعترض على افتخار إنسان بنسبه، إن كان صحيحًا، لكن حين يظهر هذا النسب فجأة في سياق إقليمي مشحون، ويتحوّل إلى رسالة سياسية غير معلنة، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الناس: هل نحن أمام اكتشاف متأخر لشجرة العائلة…؟ أم أمام إعادة تموضع انتخابية تُكتب هذه المرة بحبر التاريخ الإسلامي، وتستعمل فيها الوالدة مرة أخرى؟
موليم العروسي
مستشار علمي بهيئة التحرير












































