تنفض الاكتشافات الأثرية الحديثة الغبار عن سرديات تاريخية وحضارية، وتؤكد أن المغرب كان مسرحا حيويا وليس مجرد محطة عبور.
على مر العصور، نَسجت الحضارات المتعاقبة خيوطها في أعماق المغرب، فشكلت لوحة فسيفسائية من التراث الإنساني المشترك .من الفينيقيين وملوك الممالك المورية القديمة، مرورا ببصمات الإمبراطورية الرومانية، وصولا إلى الإشعاع الروحي والعمراني للفترة الإسلامية، وظل هذا المجال الجغرافي محورا استراتيجيا وملتقى نابضا للتجارة والثقافة.
في هذا الجزء، نتتبع ما جادت به آخر الأبحاث حول المدن المطمورة تحت التراب في الفترات المورية والرومانية والإسلامية. إذ نزور مدينة ليكسوس الأثرية التي كانت شاهدة حية على عظمة الاقتصاد القديم، وتؤكد جذورها العائدة إلى القرن السابع قبل الميلاد أنها كانت سيدة البحار ونقطة ارتكاز قبل الغزو الروماني بقرون. كما نتجه صوب الداخل نحو المدينة الرومانية وليلي؛ والتي رغم طابعها العسكري وشهرتها بفسيفسائها، فقد أثبتت قدرتها على الانبعاث كمدينة مزدهرة إبان الإمارة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، حيث سُكَّت عملاتها النقدية المستقلة، واكتُشفت في حماماتها ألعاب ترفيهية. وفي قلب العاصمة الرباط، وبالتحديد وراء أسوار شالة المرينية، نكتشف تفاصيل المدينة المنبعثة من التراب، والتي ما تزال الأبحاث حولها جارية وتتسع مع توالي الأيام، حيث كشفت حتى الآن عن وجود مدينة وميناء ضخم سيعيد صياغة تاريخ المنطقة في السنوات المقبلة. ونعرج كذلك على مدينة ريغا التي تبرز كحلقة وصل غير منقطعة، تختزن طبقاتها استيطانا بشريا متواصلا يجمع بين مباني الموريين ومصانع رومانية، وأفران فخار إسلامية. وإذا وجهنا بوصلتنا نحو الجنوب الشرقي، ندخل بوابة إفريقيا؛ مدينة سجلماسة الواقعة في قلب واحة تافيلالت، وهي مدينة كانت ملتقى للتجارة الدولية العابرة للصحراء وللتفاعل الثقافي.
إن عرض حصيلة الدراسات والأبحاث في هذه الفترة، ليس مجرد استعراض لأحجار صماء أو جدران متهالكة، بل هو نافذة تطل بنا على أرواح حية سكنت هذه الأرض، وبنت، وتاجرت، وأبدعت.















































