لم تتوقف الأبحاث بمغارة الحمام بتافوغالت، بنواحي بركان منذ عقود طويلة، وقد أظهرت السنوات الأخيرة نتائج عديدة ومبهرة. تروي هذه المغارة – التي تسمى أيضا بلغة أهل المنطقة “إفري أونزار“ والواقعة بجبال بني يزناسن شرق المملكة – قصة وجود بشري مستمر للإنسان العاقل امتد لأكثر من 100 ألف عام، مما زاد التأكيد على أن شمال إفريقيا شكل مركزا محوريا لظهور السلوكيات البشرية الحديثة.
تعود الإشارات العلمية الأولى لهذه المغارة إلى عام 1907 عبر جولات استطلاعية عسكرية، لكن الحفريات المنهجية الكبرى انطلقت فعليا بين عامي 1944 و1947 على يد أرموند رولمان (Armand Ruhlmann) الذي اكتشف تسلسلا زمنيا عميقا للرواسب الأثرية. ثم جاء بعده جان روش (Jean Roche) في الخمسينيات، والذي كان له الفضل في اكتشاف “المقبرة الجماعية“ للحضارة الإيبيروموروسية في الجزء الخلفي داخل كهف المغارة. ومنذ عام 2003، تعززت هذه الأبحاث ببرنامج دولي متعدد التخصصات بقيادة الباحثَيْن عبد الجليل بوزوگار ونيكولاس بارتون، حيث استُخدمت فيه أحدث تقنيات التأريخ والتنقيب للكشف عن أسرار التسلسل الثقافي الذي يغطي الفترات العاترية والإيبيروموريسية.
وتحتفظ مغارة تافوغالت في طبقاتها بأقدم الأدلة العالمية على بعض السلوكيات غير المسبوقة حسب ما تؤكده الأبحاث حتى حدود اليوم، مثل طقوس الدفن، والتجمع والاستقرار البشري المبكر، وأيضا التضامن الجماعي، وأول عملية جراحية في التاريخ، بالإضافة إلى البوادر الأولى للفلاحة قبل انتشارها في العالم.
من اكتشافات المغارة
في سنة ،2007 أعلن العلماء عن نتائج أبحاثهم التي تتعلق ببقايا أدوات زينة – مثل التي وُجدت لاحقا في الصويرة – تعود إلى حوالي 82 ألف سنة، وهي عبارة عن قواقع بحرية من نوع (Nassarius gibbosula) مثقوبة ومطلية بالمغرة الحمراء كانت تُستخدم كقلائد. ومع مرور الزمن، تطورت الصناعات لتنتقل من الأدوات الحجرية المسننة والرقائق في الحضارة العاترية، إلى إنتاج النصيلات المجهرية والأدوات العظمية الدقيقة التي ميزت الحضارة الإيبيروموريسية في العصر الحجري الأعلى.
وبحسب كتاب شامل تناول اكتشافات الموقع، فإنه قبل حوالي 15 ألف سنة، شهدت مغارة تافوغالت تحولا جذريا في استخدامها المكاني، حيث خُصص الجزء الأمامي للسكن والأنشطة اليومية، بينما تحول الجزء الخلفي المظلم إلى أكبر مقبرة تعود للعصر الحجري القديم الأعلى في شمال إفريقيا. وقد عثر الباحثون في هذه المقبرة على طقوس دفن معقدة؛ إذ دُفن الموتى في وضعيات جلوس أو نصف استلقاء، ووُضعت معهم قرابين ذات دلالات أنثروبولوجية. من أبرز هذه القرابين، قرون وجماجم “أغنام البربري“ التي رُتبت بعناية باعتبارها شواهد قبور أو تيجان تعبر عن القوة أو المكانة. كما أظهرت الاكتشافات الحديثة استخدام عظام طائر “الحبارى الكبير“ المهدد بالانقراض ضمن السياقات الجنائزية. وقد ترافق ذلك مع طلاء عظام الموتى بالمغرة الحمراء بعد تحللها، مما جعل العلماء يرجحون وجود معتقدات روحية مبكرة لدى سكان المغارة حول الموت وربما ما بعد الموت. استغرق التأكد من العظام البشرية التي عثر عليها جون روش عقودا من الزمن.
الأبحاث الأخيرة
في سنة ،2024 أكمل الباحثون، من بينهم عبد الجليل بوزوكار وإسماعيل الزياني، ما وجدته دراسات سابقة في سنة 2009 –وربما مع تصحيح بعض المعلومات المتعلقة بالممارسات الجنائزية للثقافة الإيبروموريسية– إذ تم التأكيد هذه المرة على وجود دلائل غير مسبوقة على جمجمتين لأقدم عملية جراحية قبل حوالي 12 ألف سنة، إحداهما نجحت وعاش صاحبها بعد الجراحة. هذه العملية التي تسمى التربنة (Trephination) تعتبر عملية دقيقة تستوجب معرفة طبية متقدمة في ذلك الوقت. لهذا جاءت الدراسة التي نشرت بمجلة “ناتشير” (Nature) المرموقة في نونبر 2024، لتؤكد أن إنسان مغارة تافوغالت قبل زهاء 15 ألف سنة استخدم نبات العلندة: الإيفيدرا (Ephedra). وهو نبات يُعرف اليوم بإنتاجه لكميات كبيرة من الإيفيدرين الذي يستُخدم في الطب التقليدي في الصين لعلاج أمراض مثل الربو واحتقان الأنف، ويعمل كمُضيّق للأوعية الدموية. ويُعد هذا الاكتشاف أقدم دليل مسجل على ارتباط بقايا هذا النبات بنشاط بشري، حيث وُجدت أقدم بقايا متفحمة للنبات متركزة داخل مدفن بشري. لهذا وبناء على تركز النبات في منطقة الدفن، يُرجح الباحثون أن نبات العلندة قام بدور أساسي في العمليات الجراحية (لخلع الأسنان أو لنقب الجمجمة)، من أجل تسكين الألم والتعافي أو لوقف نزيف الدم.
بحسب دراسات سابقة، فقد قدمت المغارة دليلا آخر على بدايات الاستقرار البشري الجماعي المبكر، وتغير النمط الغذائي قبل ظهور الزراعة بآلاف السنين. فقد أدت التحولات المناخية نحو الدفء والرطوبة إلى وفرة الموارد، مما دفع السكان للاعتماد المكثف على طهي ثمار البلوط والصنوبر والحلزونيات البرية وتخزينها. «وقد ترك هذا النظام الغذائي الغني بالكربوهيدرات أثرا واضحا تمثل في تفشي تسوس الأسنان بين الهياكل العظمية المكتشفة، وهو مؤشر على تراجع حياة الترحال، وتنامي الاستقرار»، وفق الباحثين.















































