ما يزال البحث عن المظاهر المبكرة للزراعة والفلاحة يشغل العلماء في شتى ربوع العالم، ويشهد موقع وادي بهت بنواحي الخميسات إحدى الحلقات في سلسلة البحث حول هذا الموضوع. ففي سنة ،2024 نشر فريق بحث دولي خلاصات بحثه الطويلة حول أقدم المجمعات الزراعية في شمال إفريقيا. هذا الموقع الذي يعود تاريخه إلى فترة العصر الحجري الحديث المتأخر (ما بين 3400 و2900 قبل الميلاد)، برز باعتباره أقدم وأكبر مجمع زراعي في القارة الإفريقية خارج حوض النيل. ومن خلال الأبحاث الميدانية التي أجريت بين عامي 2021 و2022، بقيادة فريق يضم باحثين من المغرب وبريطانيا وإيطاليا، تكشفت ملامح مجتمع زراعي مستقر ومتطور يمتد على مساحة 12 هكتارا، مما يسد فجوة زمنية امتدت لآلاف السنين في تاريخ المغرب والمنطقة، ويدحض كذلك بعض السرديات القديمة التي حصرت المنطقة في مجتمعات رعوية بسيطة.
تعود البدايات الأولى لاكتشاف هذا الموقع إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث لفتت وفرة الفؤوس الحجرية المصقولة انتباه الباحثين الأوائل .ومع ذلك، ظل الموقع لعقود طويلة على هامش البحث الأثري، واقتصر على جمع اللقى السطحية التي تشتتت بين المتاحف والمجموعات الخاصة. ولم تتغير هذه الصورة إلا مع انطلاق مشروع وادي بهت الأثري الأخير، الذي استخدم تقنيات متطورة مثل التصوير المساحي والتنقيب الدقيق، ليميط اللثام عن فضاء شاسع يمتد على مساحة مماثلة، وهو حجم يضاهي المدن في أجزاء أخرى من العالم القديم، مما يعكس كثافة سكانية وتنظيما مكانيا غير مسبوق في تلك الفترة.
ما الذي وجده علماء الآثار في هذا الموقع؟ تكشف الحفريات عن مجتمع اعتمد بشكل أساسي على اقتصاد إنتاجي متطور لم يعتمد فقط على الصيد والقطف. وقد تم العثور على منظومة زراعية متكاملة تشمل محاصيل زراعية مثل الشعير العاري، الذي شكل الغالبية العظمى من البقايا النباتية، إلى جانب القمح والبقوليات كالجلبان. كما عثر العلماء على بقايا نشاط رعوي لتربية الحيوانات المدجنة من أبقار وأغنام وماعز وخنازير .ولعل أبرز ما يميز البنية التحتية لهذا المجتمع، هو اكتشاف مئات الحفر العميقة المنحوتة تحت الأرض والتي خُصصت لتخزين الحبوب والمحاصيل بكميات هائلة تفوق الاحتياجات الآنية للسكان.
إلى جانب التطور الزراعي، أظهر مجتمع وادي بهت براعة في الصناعات الحرفية، رغم الغياب التام للأدوات المعدنية الذي ميز هذه المرحلة قبل حوالي 5000 سنة. فقد كان الموقع مركزا صناعيا لإنتاج الفؤوس الحجرية المصقولة، حيث عُثر على آلاف القطع في مراحل تصنيع مختلفة. وعلاوة على ذلك، كشفت الأبحاث عن «تقاليد فريدة في صناعة الفخار الملون والمزخرف ببطانات بُنِّيَة وحمراء، وهي تقنية لم تكن معروفة تقريبا في شمال غرب إفريقيا». هذا الفخار تميز بتصميماته التي تشمل الأشرطة والخطوط المتموجة، ويحمل تشابها مع بعض الاكتشافات المعاصرة في شبه الجزيرة الأيبيرية.
يؤكد العلماء في هذا المضمار، أن مجتمعات شمال إفريقيا -انطلاقا من موقع الخميسات- لم تكن تعيش في عزلة، بل كانت أطرافا فاعلة، ولها روابط ثقافية وشبكات تبادل مع حضارات مختلفة لعصور ما قبل التاريخ.














































