تصف رسالة الغفران، التي كتبها أبو العلاء المعري، الآخرة وما أوتي فيها أصحاب الجنة من نعيم، وما ابتلي به المغضوب عليهم من جحيم.
يبدأ المعري برسالة منسوبة لشخص يدعي ابن القارح، وفي مكان آخر، لعلي ابن منصور، ويَردّ عليه المعري برسالة ثناء، ولا يجد ما يوفي به صاحبه حقه إلا بالثواب له في الجنة، والإقامة تحت شجرها. و يأخذ المعري بعدها في تصوير الجنة، ويبدأ أول ما يبدأ بتصوير شجرة يفوق حجمها ما بين المشرق والمغرب، أين منها ذات أنواط التي كان يقدسها العرب في الجاهلية، تُسقى شجرة الجنة من أنهار، “تختلج من ماء الحيوان، والكوثر يمدها في كل آن” (والحيوان هنا، صيغة المبالغة للحياة). ويُسفر المعري عن الماء الذي يسقى الشجرة، وهو الراح، أو الخمر، وهي غير خمرة الدنيا، لأن شاربها لا يصاب بالصداع، “ولا يخالط منها الرأس تدويم“، ويغترف الشارب بكؤوس من العسجد وأباريق من الزبرجد، وهيهات أن تبلغ خمور الدنيا خمر الآخرة، ولا أباريقها أباريق الجنة. ثم يضيف المعري مصورا أواني تسبح في أنهار الجنة كأنها على هيأة الطير، ينبع من أفواهها الشراب، وهيهات أن يبلغه شراب الدار الفانية، ثم يعمد المعري إلى سرد أسماء الخمور، وأغلبها كان يُعصر بفلسطين، فمنها خمرة عانة، وخمور بابل، وجنس المسكرات كالجِعّة (نبيذ الشعير)، والبتع (نبيذ العسل)، والمزر، (نبيذ الحنطة)، والسكركة (خمر الحبشة)، وما يُعتصر من النخيل. يصيب شارب الجنة شرابها منذ أن اعتصر زمن آدم، أو شيث (نبي قبل نوح)، وميزة خمر الجنة أنه من عسل مصفى، ويستشهد المعري بآية من القرآن من سورة محمد ليجد سندا لوصفه: «مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ».
ويصور بعدها الأنهار الخمرية التي تلعب فيها الأسماك، فإذا أخذ واحدة منها شرب من فيها (فمها) شرابا عذبا، ولو وقعت الجرعة في البحر لتحول فراتا.
حسن أوريد
تتمة المقال تجدونها في العدد 48 من مجلتكم «زمان»














































